عباده الضعفاء والمعوزين وترقية شأن الملة بالقيام بمصالح الأمة فهو إنما يحاول ارضاء الناس
وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
فيتقرب إليه تعالى بالانفاق خشية عقابه ورجاء ثوابه في ذلك اليوم
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً
أي إن صفته وحاله في عدم انتفاعه بما ينفق كالحجر الأملس إذا كان عليه شئ من التراب ثم أصابه مطر غزير عظيم القطر أزال عنه ما أصابه حتى عاد أملس ليس عليه شئ من ذلك التراب . ووجه الشبه بين المان والمؤذى بصدقته وبين المرائي بنفقته أن كلا منهما غش نفسه فألبسها ثوب زور يوهم رائيه ما لا حقيقة له كمن يلبس لبوس العلماء أو الجند وليس منهم ، فلا يلبث أن يظهر أمره ويفتضح سره فيكون ما تلبس به كالتراب على الصفوان يذهب به الوابل ، كذلك تكشف الحوادث وما يبتلى به المؤمنون والمنافقون حقيقة هؤلاء وتفضح سرائرهم . فهم
لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا
أي لا ينتفعون بشئ من صدقاتهم ونفقاتهم ولا يجنون ثمراتها في الدنيا ولا في الآخرة . أما في الدنيا فلأن المن والأذى مما ينافي غاية الصدقة كما تقدم ومن فعلهما كان أبغض إلى الناس من البخيل الممسك . والرياء لا يخفى على الناس فهو كما قال الشاعر :
ثوب الرياء يشف عما تحته * فإذا اكتسيت به فإنك عار
فلا تكاد تجد منانا ولا مرائيا غير مذموم ممقوت . وأما في الآخرة فلأن المن والأذى كالرياء في منافاة الاخلاص ولا ثواب في الآخرة إلا للمخلصين في أعمالهم الذين يتحرون بها سنن اللّه تعالى في تزكية نفوسهم واصلاح حال الناس
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ
أي مضت سنته بأن الايمان هو الذي يهدى قلب صاحبه إلى الاخلاص ووضع النفقات في مواضعها والاحتراس من الاتيان بما يذهب بفائدتها بعد وجودها فكان الكافر بمقتضى هذه السنة محروما من هذه الهداية التي تجمع لصاحبها بين صلاح القلب والعمل وسعادة الدنيا والآخرة .
بعد هذا ضرب اللّه المثل للمخلصين في الانفاق لأجل المقابلة بينهم وبين أولئك المرائين والمؤذين وعقبه بمثل آخر يتبين به حال الفريقين فقال :
* * *
( 265 ) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ