تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
وهو الذي يجلى الحقيقة في المسألة فان كيفية الاحياء هي عين كيفية التكوين في الابتداء . وإنما تكون بتعلق إرادة اللّه تعالى بالشئ المعبر عنه بكلمة التكوين ( كن ) فلا يمكن أن يصل البشر إلى كيفية له إلا إذا أمكن الوقوف على كنه إرادة اللّه تعالى وكيفية تعلقها بالأشياء . وظاهر القرآن وهو ما عليه المسلمون ان هذا غير ممكن ، فصفات اللّه منزهة عن الكيفية . والعجز عن الادراك فيها هو الادراك وهو ما أفاده قول أبى مسلم رحمه اللّه تعالى . ومما يؤيده في النظم المحكم قوله تعالى
ثُمَّ اجْعَلْ
فإنه يدل على التراخي الذي يقتضيه إمالة الطيور وتأنيسها على أن لفظ « صرهن » يدل على التأنيس . ولولا أن هذا هو المراد لقال : فخذ أربعة من الطير فقطعهن واجعل على كل جبل منهن جرءا ، ولم يذكر لفظ الا مالة إليه ويعطف جعلها على الجبال بثم . ويدل عليه أيضا ختم الآية باسم العزيز الحكيم دون اسم القدير . والعزيز هو الغالب الذي لا ينال . وما صرف جمهور المتقدمين عن هذا المعنى على وضوحه الا الرواية بأنه جاء بأربعة طيور من جنس كذا وكذا وقطعها وفرقها على جبال الدنيا ثم دعاها فطار كل جزء إلى مناسبه حتى كانت طيورا تسرع إليه ، فأرادوا تطبيق الكلام على هذا ولو بالتكلف . وأما المتأخرون فهمهم أن يكون في الكلام خصائص للأنبياء من الخوارق الكونية وإن كان المقام مقام العلم والبيان والاخراج من الظلمات إلى النور وهو أكبر الآيات . ولكل أهل زمن غرام في شئ من الأشياء يتحكم في عقولهم وأفهامهم . والواجب على من يريد فهم كتاب اللّه تعالى أن يتجرد من التأثر بكل ما هو خارج عنه فإنه الحاكم على كل شئ ، ولا يحكم عليه شيء . وللّه در أبى مسلم ما أدق فهمه وأشد استقلاله فيه * * *
( 261 ) مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ، وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 262 ) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا