تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
آية فهم الرازي وغيره فيها خلاف ما فهمه جميع المفسرين من قبله . ولم يقل أحد ان فهم فئة من الناس حجة على فهم الآخرين ، على أن ما فهمه أبو مسلم هو المتبادر من عبارة الآية الكريمة ، وما قالوه مأخوذ من روايات حكموها في الآية ، ولايات اللّه الحكم الأعلى وعلى ما في تلك الرواية هي لا تدل : وأما قوله : إن ما ذكره أبو مسلم غير مختص بإبراهيم فلا يكون فيه مزية : فهو مردود بأن هذا المثال لكيفية احياء اللّه للموتى أو لكيفية التكوين فيه توضيح لها وتحديد لما يصل إليه علم البشر من أسرار الخليقة ولا دليل على أن العلم بذلك كان عاما في الناس ، فيقال إنه لا خصوصية فيه لإبراهيم . على أنه يرد مثل هذا الايراد على حجة إبراهيم على الذي آتاه اللّه الملك ، وحجته على عبدة الكواكب في سورة الأنعام . فان مثل هذه الحجج التي أيد اللّه تعالى بها إبراهيم مما يحتج به الرازي وغيره . فهل ينفى ذلك أن تكون هداية من اللّه لإبراهيم واخراجا من ظلمات الشبه التي كانت محيطة بأهل زمنه إلى نور الحق وقد قال تعالى
( 6 : 83 وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ )
الآية . وأما قوله : ان إجابة إبراهيم إلى ما سأل لا تحصل بقول أبى مسلم وإنما تحصل بقول الجمهور فالأمر بعكسه وذلك أن إتيان الطيور بعد تقطيعها وتفريق أجزائها في الجبال لا يقتضى رؤية كيفية الاحياء . إذ ليس فيها إلا رؤية الطيور كما كانت قبل التقطيع لأن الاحياء حصل في الجبال البعيدة . وافرض أنك رأيت رجلا قتل وقطع إربا اربا ثم رأيته حيا أفتقول حينئذ انك عرفت كيفية إحيائه ؟ هذا ما يدل عليه قولهم . وأما قول أبى مسلم فهو الذي يدل على غاية ما يمكن أن يعرف البشر من سر التكوين والاحياء وهو توضيح معنى قوله تعالى للشئ
« كُنْ فَيَكُونُ » *
ولولا أن اللّه تعالى بين لنا ذلك بما حكاه عن خليله لجاز أن يطمع في الوقوف على سر التكوين الطامعون ولو فهم الرازي هذا لما قال إنه لا خصوصية لإبراهيم على الغير . وهذا النوع من الجواب قريب من جواب موسى إذ طلب رؤية اللّه تعالى . ومن جواب السائلين عن الأهلة وليس مثلهما من كل وجه فإنه بين وأوضح ما يمكن علمه في المسألة نفسها ونهى عما زاد على ذلك وجملة القول : أن تفسير أبى مسلم للآية هو المتبادر الذي يدل عليه النظم
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 57 | الشيخ محمد رشيد رضا