على الأمة نفسها ، ثم غلب استعمالها في البلاد الصغيرة ولا يصح هنا فإن الرغد لا يتيسر للانسان كما يشاء إلا في المدن الواسعة الحضارة ، ( قال شيخنا ) ونسكت عن تعيين القرية كما سكت القرآن فقد أمر بنو إسرائيل بدخول بلاد كثيرة وكانوا يؤمرون بدخولها خاشعين للّه خاضعين لأمره مستشعرين عظمته وجلاله ونعمه وإفضاله وهو معنى السجود وروحه المراد هنا .
وأما صورة السجود من وضع الجباه على الأرض فلا يصح أن تكون مرادة لأنها سكون والدخول حركة وهما لا يجتمعان . والمراد بالحطة الدعاء بأن تحط عنهم خطايا التقصير وكفر النعم . وتبديل القول بغيره عبارة عن المخالفة كأن الذي يؤمر بالشئ فيخالف قد أنكر أنه أمر به وادعى أنه أمر بخلافه . يقال بدلت قولا غير الذي قيل . أي جئت بذلك القول مكان القول الأول .
وهذا التعبير أدل على المخالفة والعصيان من كل تعبير خلافا لما يتراءى لغير البليغ من أن الظاهر أن يقال . بدلوا القول بغيره دون أن يقال . غير الذي قيل لهم ، فإن مخالف أمر سيده قد يخالفه على سبيل التأويل مع الاعتراف به ، فكأنه يقول في الآية إنهم خالفوا الأمر خلافا لا يقبل التأويل ، حتى كأنه قيل لهم غير الذي قيل . وليس المعنى أنهم أمروا بحركة يأتونها ، وكلمة يقولونها ، وتعبدوا بذلك وجعل سببا لغفران الخطايا عنهم فقالوا غيره وخالفوا الأمر ، وكانوا من الفاسقين . وأي شئ أسهل على المكلف من الكلام يحرك به لسانه ، وقد اخترع أهل الأديان من ذلك ما لم يكلفوا قوله لسهولة القول على ألسنتهم ، فكيف يقال أمر هؤلاء بكلمة يقولونها فعصوا بتركها ؟ إنما يعصى العاصي إذا كلف ما يثقل على نفسه ويحملها على غير ما اعتادت ، وأشق التكاليف حمل العقول على أن تفكر في غير ما عرفت ، وحث النفوس على أن تتكيف بغير ما تكيفت .
وذهب المفسر ( الجلال ) إلى ترجيح اللفظ على المعنى والصورة على الروح ففسر السجود ككثير من غيره بالانحناء ، وقال إنهم أمروا بأن يقولوا ( حطة ) فدخلوا زحفا على أستاههم وقالوا : حبة في شعيرة : أي أننا نحتاج إلى الأكل .
ومنشأ هذه الأقوال الروايات الإسرائيلية ولليهود في هذا المقام كلام كثير
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 324
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٣٢٤