تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
إلى فهم قوله تعالى
( إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما )
أن المراد به دحض شبهة الذين أنكروا نبوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وصلاحيته لأن يكون مثلا يقتدى به ، وهي أنه بشر يأكل الطعام ويمشى في الأسواق ، وهم المشركون ، والذين أنكروا أن يكون من العرب وهم اليهود . وقد حكى هذه الشبهة عنهم في آيات كثيرة ، كأنهم يقولون : إذا كان بشرا مثلنا فكيف يدعى أنه رسول من اللّه يجب اتباعه ، ومثل كامل ضرب للاقتداء به ؟ ( أأنزل الذكر عليه من بيننا ) ولأي شئ لم يرسل اللّه ملكا ؟ ومنهم من قال
( لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً )
وقد أقام اللّه الحجة على هؤلاء بقوله
( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا )
الخ ، وأتبعها بوعيد من أعرض عن الايمان بعد قيام البرهان وهم الكافرون ، وبشارة الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهم المؤمنون ، وبعد تقرير الحجة وهي تحديهم بسورة من مثله - كرّ على شبهتهم بالنقض وهي استبعاد أن يكون بشر رسولا من عنده ، ومحصله : أن اللّه تعالى خالق كل شئ ، فيجعل ما شاء من المنفعة والفائدة فيما شاء ومن شاء من خلفه ويضربه مثلا للناس يهتدون به ، وليس هذا نقصا في جانب الألوهية فيستحى من ضربها مثلا ، بل من الكمال والفضل أن يجعل في المخلوقات الضعيفة والمحتقرة في العرف كالبعوض فوائد ومنافع ، فكيف يستنكر أن يجعل من الانسان الكامل الذي كرمه وخلقه في أحسن تقويم مثلا وإماما يقتدى به قومه ويهتدون بهديه ؟ وبقية الكلام في الآية على هذا الوجه في معنى المثل هو نحو ما تقدم تقريره أو ظاهر منه أتم الظهور . [ فان الذين آمنوا يعلمون أن هذا الامام الذي نصبه للناس مهما يكن ضعيفا قبل أن يقويه ببرهانه هو الحق الذي ثبت تأييده من ربهم ، والكافرون يقولون لم لم يبعث إلى الناس من هو خير منه في نظرهم ؟ وما ذا يريد بأن يجعل لهم قدوة في أضعفهم وأهونهم ، وهكذا تقول في قوله : يضل به كثيرا ] الخ وقد عهد من أهل البصيرة الاقتداء بالحيوانات والاستفادة من خصالها وأعمالها ، ويحكى عن بعض كبار الصوفية أنه قال : تعلمت المراقبة من القط ، وعن بعض حكماء المسلمين أنه قرأ كتابا نحوا من ثلاثين مرة فلم يفهمه ، فيئس منه وتركه
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 240 | الشيخ محمد رشيد رضا