تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
ذكرنا في الأمثال التي يراد منها التنفير ، هو الأبلغ في التأثير الذي هو روح البلاغة وسرها ، كان قوله تعالى
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
مبينا لشأن من شؤون كماله عز وجل في كتابه العزيز ، وقاضيا على الذين يتحامون ذكر البعوضة وأمثالها بنقص العقل ، وخسران ميزان الفضل ، والمراد بما فوق البعوضة ما علاها وفاقها في مرتبة الصغر ومنها جنة النسم ( الميكروبات ) التي لا ترى إلا بالنظارات المكبرة ( ميكرسكوب ) وكانوا يضربون المثل بمخ النملة ، وفي كلام بلغائهم : أسمع من قراد ، وأطيش من فراشة ، وأعز من مخ البعوضة . والمعنى أن اللّه تعالى لا يترك ضرب مثل مّا من الأمثال حياء منه سواء كان بعوضة أو أصغر منها حجما ، وأقل عند الناس شأنا . ثم ذكر تعالى أن الناس في ذلك فريقان
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ
لأنه ليس نقصا في حد ذاته ؛ وقد جاء في كلامه تعالى فهو ليس نقصا في جانبه ، وإنما هو حق لأنه مبين للحق ومقرر له ، وسائق إلى الأخذ به ، بما له من التأثير في النفس ، وذلك أن المعاني الكلية تعرض للذهن مجملة مبهمة فيصعب عليه أن يحيط بها وينفذ فيها فيستخرج سرها ، والمثل هو الذي يفصل إجمالها ، ويوضح إيهامها ، فهو ميزان البلاغة وقسطاسها ، ومشكاة الهداية ونبراسها ، ورحم اللّه تعالى عبد القاهر الجرجاني إمام البلاغة والواضع الأول لعلمي المعاني والبيان ، ومؤلف أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز لتحقيق اعجاز القرآن ، حيث قال في كتابه الأول : « واعلم أن مما اتفق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو برزت هي باختصار في معرضه ، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته ، كساها أبهة ، وكسبها منقبة ؛ ورفع من أقدارها ، وشب من نارها ، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها ، ودعا القلوب إليها ، واستثار لها من أفاصى الأفئدة ضبابا وكلفا ، وقسر الطباع على أن تعطيها محبة وشغفا . « فإن كان مدحا كان أبهى وأفخم ، وأنبل في النفوس وأعظم ، وأهز للعطف وأسر للألف ، وأجلّب للفرح ، وأغلب على الممتدح ، وأوجب شفاعة للمادح ؛ وأقضى