وهو الكتاب الذي لا ريب فيه ، وحال الناس في الإيمان به وعدم الإيمان ، ولا فصل في صحة هذا الوصل بين أن يكون الكلام ردا على اليهود الذين أنكروا ضرب الأمثال بالمحقرات كالذباب والعنكبوت كما يروى عن ابن عباس ، أوردا على المنافقين الذين أنكروا الأمثال في الآيات السابقة بمستوقد النار والصيب من السماء زاعمين أنه لا يليق باللّه ضرب الأمثال ، أو يكون المراد بالمثل القدوة نقريرا لنبوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . أما على الأول فيقال : إنه إنما نص هنا على نفى الاستحياء من ضرب أي مثل ، ولم يذكر ذلك هناك عند تمثيل الأولياء الذين اتخذوهم من دون اللّه بالذباب والعنكبوت لأن المقام هنا مقام ذكر الاعتراض الموجه على القرآن ، فيكون هذا مقام رد شبه المكابرين عنه ، وأما على الثاني والثالث فهو أظهر ، على أنه لا حاجة في فهم الآية إلى ما قالوه في سببها ، فإن لم تكن ردا لما قيل فهي رد لما قد يقال . أو يجول في خواطر أهل المكابرة والجدال ، والمجاحدة والمحال
والاستحياء - قال صاحب الكشاف : إنه من الحياء وهو انكسار وتغير في النفس يلم بها إذا نسب إليها أو عرض لها فعل تعتفد قبحه ، وفي الحالة الثانية يكون مانعا من الفعل الذي يعرض ، يقال : فلان يستحى أن يفعل كذا ، أي إن نفسه تنكسر فتنقض عن فعله ، ويقال إنه استحيا من عمل كذا ، أي إن نفسه انفعلت وتألمت عندما عرض عليه عمله فرآه شينا أو نقصا . ويقال حيى بهذا المعنى ، كأنه أصيب في حياته ، كما يقال : نسي إذا أصيب في نساه - وهو عرق يسمونه عرق النسا بفتح النون - وحشى إذا أصيب في حشاه . وقالوا : إن الحياء ضعف في الحياة بما يصيب موضعها وهو النفس ، فمعنى عدم استحياء اللّه تعالى أنه لا يعرض له ذلك الانكسار والانفعال ، ولا يعتريه ذلك التأثر والضعف فيمتنع من ضرب المثل ، بل هو يضرب من الأمثال الهادية والمطابقة لحال الممثل به ما يعلم أنه يجلى الحقائق ويؤثر في القلوب . ولكن صاحب الكشاف وغيره أرادوا أن يجعلوا الآية دليلا على اتصاف اللّه تعالى بالحياء ، فقالوا إن النفي خاص ومثله إذا ورد على شئ يدل على أن ذلك الشئ قابل للاتصاف بالمنفى ، فمن لا قدرة له على شئ لا ينفى عنه ، لا تقول : إن عيني لا تسمع وأذني
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 235
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٢٣٥