تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
تشابه رزقي الدنيا والآخرة في الألوان والروائح واختلافه في الطعم فقط ليس فيه كبير تشويق لأن اللذة في التنقل ، ثم إن أطوار الجنة مخالفة لأطوار الدنيا ، والتشويق للناس إنما يكون بحسب ما عهدوا واعتادوا وألفوا . وإننا نعلم أن الأكل في الدنيا لأجل حفظ البنية من الانحلال ، ولا انحلال في دار الخلد والبقاء ، فلا بد أن يكون الأكل والشرب هناك على ما ورد لحكمة أخرى ، أو هو لتحصيل لذة لا نعرفها لأنها من أحوال عالم الغيب ، وإنما نؤمن بما ورد ونفوض أمر حقيقته وحكمته إلى اللّه تعالى . ومما ورد أنه لذة أعلى من لذات الدنيا أقول : بل قال ابن عباس رضى اللّه عنهما « ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسامى » وفي حديث الصحيحين المرفوع عن اللّه عز وجل « أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » وهو تفسير قوله تعالى ( 32 : 17
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ )
وذهب بعض المفسرين إلى ما قلناه أولا من أن ذلك الرزق هو عين ما وعدوا به جزاء على أعمالهم ، فكلما رزقوا ثمرة منه يذكرون الوعد الإلهى شكرا للّه على توفيقهم لذلك العمل الذي له أعدّ هذا الجزاء ، كما تفيده آية
( وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ ) *
التي ذكرناها آنفا ، فهو من قبيل ارتباط الموعود به بالموعود عليه كان الأعمال عين الجزاء
( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ )
وقوله تعالى بعد ذلك
( وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً )
تأكيد وتقرير لما تضمنه قولهم وهذا هو الراجح الذي اختاره شيخنا ، وهنالك قول ثالث ، وهو أن رزق الجنة وثمرها يتشابه على أهلها في صورته ، ويختلف في طعمه ولذته ، وهو المتبادر من اللفظ ثم قال
وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ
أي مبالغ في تطهيرهن وتزكيتهن فليس فيهن ما يعاب من خبث جسدي حتى ما هو في الدنيا طبيعي كالحيض والنفاس ، ولا نفسي كالمكر والكيد وسائر مساوىء الأخلاق ، لأنهن طهرن كل نوع من أنواع التطهير . ونساء الجنات من المؤمنات الصالحات ، وهن المعروفات في القرآن بالحور العين ، وصحبة الأزواج في الآخرة كسائر شؤونها الغيبية نؤمن بما أخبر به اللّه تعالى منها لا نزيد فيه ولا ننقص منه ، ولا نبحث في كيفيته ، وإنما نعرف بالاجمال أن أطوار الحياة
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 233 | الشيخ محمد رشيد رضا