تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه » رواه الشيخان وغيرهما - يعنى أن الإنسان لو ترك ونفسه لاهتدى إلى الحق ما دام بعيدا عن التقاليد والعادات وقد بلغ فساد الطباع وانحراف الفطرة في بعض الأمم مبلغا كادوا يخرجون به عن طور البشر ، كمتنطعى البراهمة إذ ذهبوا إلى أن كمال الأرواح وسعادتها إنما هو في تعذيب الأبدان وحرمانها من لذاتها . ولذلك جدوا في البعد عن اللذات الجسمانية بأنواعها ، فمالوا عن سنن الاعتدال ، ومنوا أبدانهم وعقولهم بالفساد والاعتلال ، وكبعض كفرة العرب وطائفة من البراهمة إذ زعموا أنه لا خير إلا في اللذة البدنية ولا شر إلا في الألم الجسدانى ، فالسعادة والكمال عندهم في البعد عن الآلام البدنية ، والتمتع بالشهوات الحسية ، فمثل هؤلاء المرضى النفوس المحرومين من الكمال الروحي والعقلي كمثل من غلبت عليه الصفراء فصار يذوق الحلو مرا ، وإن من المرضى من يشتهى في طور النقه ما لا يشتهى في حال الصحة والاعتدال وكذلك الحبالى في مدة الوحم
يرى الجبناء أن الجبن حزم * وتلك خديعة الطبع اللئيم
فالخير والشر والصلاح والفساد والحق والباطل والفضيلة والرذيلة كل ذلك معروف في الجملة حتى عند الأشرار ولذلك يدعون الخير والصلاح وينكرون ما هم عليه فإطلاق القول بذكر الأعمال الصالحات ليس مبهما عندهم ، ولا خطابا بغير مفهوم ، وإنما يحتاج معتل الفطرة إلى التفصيل في ذلك ، وذكر الإمارات والدلائل التي تميز بين الصالحين والفاسقين ، والمحقين والمبطلين ، ولهذا نزلت آيات البيان والتفصيل التي أشرنا إلى بعضها آنفا ، وبها ينقطع تلبيس الأغبياء ، واعتذار الجهلاء ، وحق القول بأن الذي يستحق هذه البشارة هو من جمع بين الإيمان والعمل الصالح الذي ترشد إليه الفطرة السليمة ، ويهدى إلى تحديده الكتاب العزيز وسنة الرسول المتبعة بشرهم
أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ
ورد لفظ الجنة والجنات كثيرا في مقابلة النار ، والجنة في اللغة البستان والجنات جمعها ، وليس المراد بهما مفهومهما اللغوي فقط وإنما هما دار الخلود في النشأة الآخرة ، فالجنة دار الأبرار والمتقين ، والنار دار الفجار والفاسقين ، فنؤمن بهما بالغيب ولا نبحث في حقيقة أمرهما ، ولا نزيد