تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3332

مساهمون:

ص٣٣٣٢
في هذه الحياة . وتبرزها وتصوغ منها الخطوط العريضة في الصور الوضيئة . . وإرادة التكريم واضحة في اختيار هذه اللقطات ، وتثبيت الملامح والسمات التي تصورها . التكريم الإلهي لهذه الجماعة السعيدة . إرادة التكريم واضحة ، وهو يسجل لهم في اللقطة الأولى أنهم :
« أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ »
. . أشداء على الكفار وفيهم آباؤهم وإخوتهم وذوو قرابتهم وصحابتهم ، ولكنهم قطعوا هذه الوشائج جميعا . رحماء بينهم وهم فقط إخوة دين . فهي الشدة للّه والرحمة للّه . وهي الحمية للعقيدة ، والسماحة للعقيدة . فليس لهم في أنفسهم شيء ، ولا لأنفسهم فيهم شيء . وهم يقيمون عواطفهم ومشاعرهم ، كما يقيمون سلوكهم وروابطهم على أساس عقيدتهم وحدها . يشتدون على أعدائهم فيها ، ويلينون لإخوتهم فيها . قد تجردوا من الأنانية ومن الهوى ، ومن الانفعال لغير اللّه ، والوشيجة التي تربطهم باللّه . وإرادة التكريم واضحة وهو يختار من هيئاتهم وحالاتهم ، هيئة الركوع والسجود وحالة العبادة :
« تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً »
. . والتعبير يوحي كأنما هذه هيئتهم الدائمة التي يراها الرائي حيثما رآهم . ذلك أن هيئة الركوع والسجود تمثل حالة العبادة ، وهي الحالة الأصلية لهم في حقيقة نفوسهم ؛ فعبر عنها تعبيرا يثبتها كذلك في زمانهم ، حتى لكأنهم يقضون زمانهم كله ركعا سجدا . واللقطة الثالثة مثلها . ولكنها لقطة لبواطن نفوسهم وأعماق سرائرهم :
« يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً »
. . فهذه هي صورة مشاعرهم الدائمة الثابتة . كل ما يشغل بالهم ، وكل ما تتطلع إليه أشواقهم ، هو فضل اللّه ورضوانه . ولا شيء وراء الفضل والرضوان يتطلعون إليه ويشتغلون به . واللقطة الرابعة تثبت أثر العبادة الظاهرة والتطلع المضمر في ملامحهم ، ونضحها على سماتهم :
« سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ »
. . سيماهم في وجوههم من الوضاءة والإشراق والصفاء والشفافية ، ومن ذبول العبادة الحي الوضيء اللطيف . وليست هذه السيما هي النكتة المعروفة في الوجه كما يتبادر إلى الذهن عند سماع قوله :
« مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ »
. . فالمقصود بأثر السجود هو أثر العبادة . واختار لفظ السجود لأنه يمثل حالة الخشوع والخضوع والعبودية للّه في أكمل صورها . فهو أثر هذا الخشوع . أثره في ملامح الوجه ، حيث تتوارى الخيلاء والكبرياء والفراهة . ويحل مكانها التواضع النبيل ، والشفافية الصافية ، والوضاءة الهادئة ، والذبول الخفيف الذي يزيد وجه المؤمن وضاءة وصباحة ونبلا . وهذه الصورة الوضيئة التي تمثلها هذه اللقطات ليست مستحدثة . إنما هي ثابتة لهم في لوحة القدر ؛ ومن ثم فهي قديمة جاء ذكرها في التوراة :
« ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ »
. . وصفتهم التي عرفهم اللّه بها في كتاب موسى ، وبشر الأرض بها قبل أن يجيئوا إليها .
« وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ »
. . وصفتهم في بشارته بمحمد ومن معه ، أنهم :
« كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ »
. . فهو زرع نام قوي ، يخرج فرخه من قوته وخصوبته . ولكن هذا الفرخ لا يضعف العود بل يشده .
« فَآزَرَهُ »
. أو أن العود آزر فرخه فشده .
« فَاسْتَغْلَظَ »
الزرع وضخمت ساقة وامتلأت .
« فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ »
لا معوجا ومحنيا . ولكن مستقيما قويا سويا . . هذه صورته في ذاته . فأما وقعه في نفوس أهل الخبرة في الزرع ، العارفين بالنامي منه والذابل . المثمر منه والبائر . فهو وقع البهجة والإعجاب :
« يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ »
. وفي قراءة يعجب « الزارع » . . وهو رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - صاحب هذا الزرع النامي القوي المخصب البهيج . . وأما وقعه في نفوس الكفار فعلى العكس . فهو وقع الغيظ والكمد :
« لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ »
. . وتعمد إغاظة الكفار يوحي بأن هذه الزرعة هي
في ظلال القرآن — صفحة 3332 | سيد قطب