تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3330

مساهمون:

ص٣٣٣٠
وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ، وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً »
. . فأما البشرى الأولى . بشرى تصديق رؤيا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ودخولهم المسجد الحرام آمنين ، وتحليقهم وتقصيرهم بعد انتهاء شعائر الحج أو العمرة ، لا يخافون . . فأما هذه فقد تحققت بعد عام واحد . ثم تحققت بصورة أكبر وأجلى بعد عامين اثنين من صلح الحديبية . إذ تم لهم فتح مكة ، وغلبة دين اللّه عليها . ولكن اللّه سبحانه يؤدب المؤمنين بأدب الإيمان ؛ وهو يقول لهم :
« لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ - إِنْ شاءَ اللَّهُ - »
. . فالدخول واقع حتم ، لأن اللّه أخبر به . ولكن المشيئة يجب أن تظل في نفوس المسلمين في صورتها الطليقة لا يقيدها شيء ، حتى تستقر هذه الحقيقة في القلوب ، وتصبح هي قاعدة التصور للمشيئة الإلهية . والقرآن يتكئ على هذا المعنى ، ويقرر هذه الحقيقة ، ويذكر هذا الاستثناء في كل موضع ، حتى المواضع التي يذكر فيها وعد اللّه . ووعد اللّه لا يخلف . ولكن تعلق المشيئة به أبدا طليق . إنه أدب يلقيه اللّه في روع المؤمنين ، ليستقر منهم في أعماق الضمير والشعور . ونعود إلى قصة تحقيق هذا الوعد ؛ فقد ذكرت الروايات أنه لما كان ذو القعدة من سنة سبع - أي العام التالي لصلح الحديبية - خرج رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إلى مكة معتمرا هو وأهل الحديبية . فأحرم من ذي الحليفة ، وساق معه الهدي - كما أحرم وساق الهدي في العام قبله - وسار أصحابه يلبون . فلما كان - صلى اللّه عليه وسلم - قريبا من مر الظهران بعث محمد بن مسلمة بالخيل والسلاح أمامه . فلما رآه المشركون رعبوا رعبا شديدا ، وظنوا أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يغزوهم ، وأنه قد نكث العهد الذي بينهم وبينه من وضع القتال عشر سنين ، فذهبوا فأخبروا أهل مكة . فلما جاء رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فنزل بمر الظهران حيث ينظر إلى أنصاب الحرم ، بعث السلاح من القسي والنبل والرماح إلى بطن ياجج ، وسار إلى مكة بالسيوف مغمدة في قربها كما شارطهم عليه . فلما كان في أثناء الطريق بعثت قريش مكرز بن حفص ، فقال : يا محمد ، ما عرفناك تنقض العهد . فقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « وما ذاك ؟ » قال : دخلت علينا بالسلاح والقسي والرماح . فقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « لم يكن ذلك ، وقد بعثنا به إلى ياجج » فقال : بهذا عرفناك ، بالبر والوفاء ! وخرجت رؤوس الكفار من مكة لئلا ينظروا إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وإلى أصحابه - رضي اللّه عنهم - غيظا وحنقا . وأما بقية أهل مكة من الرجال والنساء والولدان فجلسوا في الطرق وعلى البيوت ينظرون إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وأصحابه . فدخلها - صلى اللّه عليه وسلم - وبين يديه أصحابه يلبون ، والهدي قد بعثه إلى ذي طوى ، وهو راكب ناقته القصواء التي كان راكبها يوم الحديبية ، وعبد اللّه بن رواحة الأنصاري آخذ بزمام الناقة يقودها . وهكذا صدقت رؤيا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وتحقق وعد اللّه . ثم كان الفتح في العام الذي يليه . وظهر دين اللّه في مكة . ثم ظهر في الجزيرة كلها بعد . ثم تحقق وعد اللّه وبشراه الأخيرة حيث يقول :
« هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ، وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً »
. . فلقد ظهر دين الحق ، لا في الجزيرة وحدها ، بل ظهر في المعمور من الأرض كلها قبل مضي نصف قرن من الزمان . ظهر في إمبراطورية كسرى كلها ، وفي قسم كبير من إمبراطورية قيصر ، وظهر في الهند وفي الصين ، ثم في جنوب آسيا في الملايو وغيرها ، وفي جزر الهند الشرقية ( أندونيسيا ) . . وكان هذا هو معظم المعمور من الأرض في القرن السادس ومنتصف القرن السابع الميلادي .