تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3331

مساهمون:

ص٣٣٣١
وما يزال دين الحق ظاهرا على الدين كله - حتى بعد انحساره السياسي عن جزء كبير من الأرض التي فتحها ، وبخاصة في أوروبا وجزر البحر الأبيض . وانحسار قوة أهله في الأرض كلها بالقياس إلى القوى التي ظهرت في الشرق والغرب في هذا الزمان . أجل ما يزال دين الحق ظاهرا على الدين كله ، من حيث هو دين . فهو الدين القوي بذاته ، القوي بطبيعته ، الزاحف بلا سيف ولا مدفع من أهله ! لما في طبيعته من استقامة مع الفطرة ومع نواميس الوجود الأصيلة ؛ ولما فيه من تلبية بسيطة عميقة لحاجات العقل والروح ، وحاجات العمران والتقدم ، وحاجات البيئات المتنوعة ، من ساكني الأكواخ إلى سكان ناطحات السحاب ! وما من صاحب دين غير الإسلام ، ينظر في الإسلام نظرة مجردة من التعصب والهوى حتى يقر باستقامة هذا الدين وقوته الكامنة ، وقدرته على قيادة البشرية قيادة رشيدة ، وتلبية حاجاتها النامية المتطورة في يسر واستقامة . .
« وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً »
. . فوعد اللّه قد تحقق في الصورة السياسية الظاهرة قبل مضي قرن من الزمان بعد البعثة المحمدية . ووعد اللّه ما يزال متحققا في الصورة الموضوعية الثابتة ؛ وما يزال هذا الدين ظاهرا على الدين كله في حقيقته . بل إنه هو الدين الوحيد الباقي قادرا على العمل ، والقيادة ، في جميع الأحوال . ولعل أهل هذا الدين هم وحدهم الذين لا يدركون هذه الحقيقة اليوم ! فغير أهله يدركونها ويخشونها ، ويحسبون لها في سياساتهم كل حساب ! والآن نجيء إلى ختام السورة . ختامها بتلك الصورة الوضيئة التي يرسمها القرآن لواقع صحابة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وبذلك الثناء الكريم على تلك الجماعة الفريدة السعيدة التي رضي اللّه عنها ، وبلغها رضاه فردا فردا :
« مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ . وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ، تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً ، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً ، سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ . ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ . وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ، فَآزَرَهُ ، فَاسْتَغْلَظَ ، فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ ، يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ، لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ . وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً »
. . إنها صورة عجيبة يرسمها القرآن الكريم بأسلوبه البديع . صورة مؤلفة من عدة لقطات لأبرز حالات هذه الجماعة المختارة ، حالاتها الظاهرة والمضمرة . فلقطة تصور حالتهم مع الكفار ومع أنفسهم :
« أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ »
ولقطة تصور هيئتهم في عبادتهم :
« تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً »
. . ولقطة تصور قلوبهم وما يشغلها ويجيش بها :
« يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً »
. . ولقطة تصور أثر العبادة والتوجه إلى اللّه في سمتهم وسحنتهم وسماتهم :
« سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ »
. .
« ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ »
. . وهذه صفتهم فيها . . ولقطات متتابعة تصورهم كما هم في الإنجيل . .
« كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ »
« فَآزَرَهُ »
. .
« فَاسْتَغْلَظَ »
« فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ »
.
« يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ »
. . :
« لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ »
. . وتبدأ الآية بإثبات صفة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - صفته التي أنكرها سهيل بن عمرو ومن وراءه من المشركين :
« مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ »
. . ثم ترتسم تلك الصورة الوضيئة بذلك الأسلوب البديع . والمؤمنون لهم حالات شتى . ولكن اللقطات تتناول الحالات الثابتة في حياتهم ، ونقط الارتكاز الأصيلة