ولا لجاهلية فيهم . فقد تفضل عليهم بهذه السكينة :
« لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ »
والطمأنينة درجة بعد الحمية والحماسة ، فيها الثقة التي لا تقلق ، وفيها الرضى المطمئن باليقين .
ومن ثم يلوّح بأن النصر والغلب لم يكن عسيرا ولا بعيدا ، بل كان هينا يسيرا على اللّه لو اقتضت حكمته يومئذ أن يكون الأمر كما أراده المؤمنون ، فإن للّه جنودا لا تحصى ولا تغلب ، تدرك النصر وتحقق الغلب وقتما يشاء :
« وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً »
. . فهي حكمته وهو علمه ، تسير الأمور وفقهما كما يريد .
وعن العلم والحكمة :
« أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ »
. ليحقق لهم ما قدره من فوز ونعيم :
« لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ، خالِدِينَ فِيها ، وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ، وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً »
. .
وإذا كان هذا في حساب اللّه فوزا عظيما ، فهو فوز عظيم ! فوز عظيم في حقيقته ، وفوز عظيم في نفوس من ينالونه من عند اللّه مقدرا بتقديره ، موزونا بميزانه . . ولقد فرح المؤمنون يومها بما كتب اللّه لهم ؛ وكانوا قد تطلعوا بعد ما سمعوا افتتاح السورة ، وعلموا منه ما أفاض اللّه على رسوله . تطلعوا إلى نصيبهم هم ، وسألوا عنه ، فلما سمعوا وعلموا فاضت نفوسهم بالرضى والفرح واليقين .
ثم أنبأهم بجانب آخر من جوانب حكمته فيما قدر في هذا الحادث ؛ وهو مجازاة المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ، بما يصدر عنهم من عمل وتصرف :
« وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ ، الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ، عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ . وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ ، وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً . وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً »
. .
وقد جمع النص بين المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات في صفة ظن السوء باللّه ؛ وعدم الثقة بنصرته للمؤمنين . وفي أنهم جميعا
« عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ »
فهم محصورون فيها ، وهي تدور عليهم وتقع بهم . وفي غضب اللّه عليهم ولعنته لهم ، وفيما أعده لهم من سوء المصير . . ذلك أن النفاق صفة مرذولة لا تقل عن الشرك سوءا ، بل إنها أحط ؛ ولأن أذى المنافقين والمنافقات للجماعة المسلمة لا يقل عن أذى المشركين والمشركات ، وإن اختلف هذا الأذى وذاك في مظهره ونوعه .
وقد جعل اللّه صفة المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات هي ظن السوء باللّه . فالقلب المؤمن حسن الظن بربه ، يتوقع منه الخير دائما . يتوقع منه الخير في السراء والضراء . ويؤمن بأن اللّه يريد به الخير في الحالين .
وسر ذلك أن قلبه موصول باللّه . وفيض الخير من اللّه لا ينقطع أبدا . فمتى اتصل القلب به لمس هذه الحقيقة الأصيلة ، وأحسها إحساس مباشرة وتذوق . فأما المنافقون والمشركون فهم مقطوعو الصلة باللّه . ومن ثم لا يحسون تلك الحقيقة ولا يجدونها ، فيسوء ظنهم باللّه ؛ وتتعلق قلوبهم بظواهر الأمور ، ويبنون عليها أحكامهم . ويتوقعون الشر والسوء لأنفسهم وللمؤمنين ، كلما كانت ظواهر الأمور توحي بهذا ؛ على غير ثقة بقدر اللّه وقدرته ، وتدبيره الخفي اللطيف .
وقد جمع اللّه في الآية أعداء الإسلام والمسلمين من شتى الأنواع ؛ وبين حالهم عنده ، وما أعده لهم في النهاية .
ثم عقب على هذا بما يفيد قدرته وحكمته :
« وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً »
. .