للتربية والتوجيه . وشيئا فشيئا تخف ثقلة الطين ، وتشف كثافة اللحم والدم ، وتتوارى آثار البيئة ، وتصفو رواسب الماضي ، وتستشرف القلوب آفاقا أعلى فأعلى ، حتى ترى النور هناك على الأفق الوضيء البعيد . ولنا في رسول اللّه أسوة حسنة ، ولنا في المنهج القرآني صراط مستقيم .
« إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ، وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ، وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً ، وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً »
. .
تفتتح السورة بهذا الفيض الإلهي على رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - : فتح مبين . ومغفرة شاملة . ونعمة تامة . وهداية ثابتة . ونصر عزيز . . إنها جزاء الطمأنينة التامة لإلهام اللّه وتوجيهه . والاستسلام الراضي لإيحائه وإشارته . والتجرد المطلق من كل إرادة ذاتية . والثقة العميقة بالرعاية الحانية . . يرى الرؤيا فيتحرك بوحيها .
وتبرك الناقة ، ويتصايح الناس : خلأت القصواء . فيقول . « ما خلأت . وما هو لها بخلق . ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة . لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها » . . ويسأله عمر بن الخطاب في حمية : فلم نعطي الدنية في ديننا ؟ فيجيبه : « أنا عبد اللّه ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني » . . ذلك وحين يشاع أن عثمان قتل يقول - صلى اللّه عليه وسلم - : « لا نبرح حتى نناجز القوم » . .
ويدعو الناس إلى البيعة ، فتكون بيعة الرضوان التي فاض منها الخير على الذين فازوا بها وسعدوا .
وكان هذا هو الفتح ؛ إلى جانب الفتح الآخر الذي تمثل في صلح الحديبية ، وما أعقبه من فتوح شتى في صور متعددة :
كان فتحا في الدعوة . يقول الزهري : فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه . إنما كان القتال حيث التقى الناس . فلما كانت الهدنة ، ووضعت الحرب ، وأمن الناس بعضهم بعضا ، والتقوا ، فتفاوضوا في الحديث والمنازعة ، ولم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه . ولقد دخل في تينك السنتين ( بين صلح الحديبية وفتح مكة ) مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر .
قال ابن هشام : والدليل على قول الزهري أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - خرج إلى الحديبية في ألف وأربع مائة في قول جابر بن عبد اللّه . ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف .
وكان ممن أسلم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص .
وكان فتحا في الأرض . فقد أمن المسلمون شر قريش ، فاتجه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إلى تخليص الجزيرة من بقايا الخطر اليهودي - بعد التخلص من بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة - وكان هذا الخطر يتمثل في حصون خيبر القوية التي تهدد طريق الشام . وقد فتحها اللّه على المسلمين ، وغنموا منها غنائم ضخمة ، جعلها الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - فيمن حضر الحديبية دون سواهم .
وكان فتحا في الموقف بين المسلمين في المدينة وقريش في مكة وسائر المشركين حولها . يقول الأستاذ محمد عزة دروزة بحق في كتابه : « سيرة الرسول . صور مقتبسة من القرآن الكريم » :
« ولا ريب في أن هذا الصلح الذي سماه القرآن بالفتح العظيم يستحق هذا الوصف كل الاستحقاق .
بل إنه ليصح أن يعد من الأحداث الحاسمة العظمى في السيرة النبوية ، وفي تاريخ الإسلام وقوته وتوطده ، أو بالأحرى من أعظمها . فقد اعترفت قريش بالنبي والإسلام وقوتهما وكيانهما ، واعتبرت النبي والمسلمين أندادا لها ، بل دفعتهم عنها بالتي هي أحسن ، في حين أنها غزت المدينة في سنتين مرتين ، وكانت الغزوة الأخيرة