تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3317

مساهمون:

ص٣٣١٧
قبل سنة من هذه الزيارة وبحشد عظيم مؤلف منها ومن أحزابها لتستأصل شأفتهم ، وبعثت هذه الغزوة في نفوس المسلمين أشد الاضطراب والهلع لضعفهم وقلتهم إزاء الغزاة . ولهذا شأن عظيم في نفوس العرب ، الذين كانوا يرون في قريش الإمام والقدوة ، والذين كانوا متأثرين بموقفهم الجحودي كل التأثر . وإذا لوحظ أن الأعراب كانوا يقدرون أن النبي والمسلمين لن يعودوا سالمين من هذه الرحلة ، وأن المنافقين كانوا يظنون أسوأ الظنون . بدت لنا ناحية من نواحي خطورة هذا الفتح وبعد مداه . « ولقد أثبتت الأحداث صدق إلهام النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فيما فعل ، وأيده فيه القرآن ، وأظهرت عظم الفوائد المادية والمعنوية والسياسية والحربية والدينية التي عادت على المسلمين منه . إذ قووا في عيون القبائل ، وبادر المتخلفون من الأعراب إلى الاعتذار ، وازداد صوت المنافقين في المدينة خفوتا وشأنهم ضآلة ، وإذ صار العرب يفدون على النبي - صلى اللّه عليه وسلم - من أنحاء قاصية ، وإذ تمكن من خضد شوكة اليهود في خيبر وغيرها من قراهم المتناثرة على طريق الشام ، وإذ صار يستطيع أن يبعث بسراياه إلى أنحاء قاصية كنجد واليمن والبلقاء ، وإذ استطاع بعد سنتين أن يغزو مكة ويفتحها ، وكان في ذلك النهاية الحاسمة ، إذ جاء نصر اللّه والفتح ، ودخل الناس في دين اللّه أفواجا » . . « 1 » ونحن نعود فنؤكد أنه كان هناك - إلى جانب هذا كله - فتح آخر . فتح في النفوس والقلوب ، تصوره بيعة الرضوان ، التي رضي عنها اللّه وعن أصحابها ذلك الرضى الذي وصفه القرآن . ورسم لهم على ضوئه تلك الصورة الوضيئة الكريمة في نهاية السورة :
« مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ . وَالَّذِينَ مَعَهُ . . . »
إلخ . فهذا فتح في تاريخ الدعوات له حسابه ، وله دلالته ، وله آثاره بعد ذلك في التاريخ . ولقد فرح رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بهذه السورة . فرح قلبه الكبير بهذا الفيض الرباني عليه وعلى المؤمنين معه . فرح بالفتح المبين . وفرح بالمغفرة الشاملة ، وفرح بالنعمة التامة ، وفرح بالهداية إلى صراط اللّه المستقيم . وفرح بالنصر العزيز الكريم . وفرح برضى اللّه عن المؤمنين ووصفهم ذلك الوصف الجميل . وقال - في رواية - : « نزل عليّ البارحة سورة هي أحب إليّ من الدنيا وما فيها » . . وفي رواية : « لقد أنزلت عليّ الليلة سورة هي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس » . . وفاضت نفسه الطيبة بالشكر لربه على ما أولاه من نعمته . فاضت بالشكر في صورة صلاة طويلة مديدة ، تقول عنها عائشة رضي اللّه عنها : كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إذا صلى قام حتى تنفر رجلاه ، فقالت له عائشة - رضي اللّه عنها - يا رسول اللّه أتصنع هذا وقد غفر لك اللّه ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « يا عائشة ، ا فلا أكون عبدا شكورا ؟ » « 2 » . . ذلك الافتتاح كان نصيب النبي - صلى اللّه عليه وسلم - خاصة ؛ ثم مضى السياق يصف نعمة اللّه على المؤمنين بهذا الفتح ، ومس يده لقلوبهم بالسكينة ، وما ادخره لهم في الآخرة من غفران وفوز ونعيم :
« هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ ، وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً . لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ، خالِدِينَ فِيها ، وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ
هامش
( 1 ) ص 292 - 293 من الجزء الثاني . ( 2 ) أخرجه مسلم في الصحيح من رواية عبد اللّه بن وهب .