بالرحم . من ذلك المنشأ الصغير الساذج التكوين . فتدل على كرم الخالق فوق ما تدل على قدرته . فمن كرمه رفع هذا العلق إلى درجة الإنسان الذي يعلم فيتعلم :
« اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ »
. .
وإنها لنقلة بعيدة جدا بين المنشأ والمصير . ولكن اللّه قادر . ولكن اللّه كريم . ومن ثم كانت هذه النقلة التي تدير الرؤوس ! وإلى جانب هذه الحقيقة تبرز حقيقة التعليم . . تعليم الرب للإنسان
« بِالْقَلَمِ »
. . . لأن القلم كان وما يزال أوسع وأعمق أدوات التعليم أثرا في حياة الإنسان . . ولم تكن هذه الحقيقة إذ ذاك بهذا الوضوح الذي نلمسه الآن ونعرفه في حياة البشرية . ولكن اللّه - سبحانه - كان يعلم قيمة القلم ، فيشير إليه هذه الإشارة في أول لحظة من لحظات الرسالة الأخيرة للبشرية . في أول سورة من سور القرآن الكريم . . هذا مع أن الرسول الذي جاء بها لم يكن كاتبا بالقلم ، وما كان ليبرز هذه الحقيقة منذ اللحظة الأولى لو كان هو الذي يقول هذا القرآن .
لولا أنه الوحي ، ولولا أنها الرسالة ! ثم تبرز مصدر التعليم . . إن مصدره هو اللّه . منه يستمد الإنسان كل ما علم ، وكل ما يعلم . وكل ما يفتح له من أسرار هذا الوجود ، ومن أسرار هذه الحياة ، ومن أسرار نفسه . فهو من هناك . من ذلك المصدر الواحد ، الذي ليس هناك سواه .
وبهذا المقطع الواحد الذي نزل في اللحظة الأولى من اتصال الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بالملإ الأعلى ، بهذا المقطع وضعت قاعدة التصور الإيماني العريضة . .
كل أمر . كل حركة . كل خطوة . كل عمل . باسم اللّه . وعلى اسم اللّه . باسم اللّه تبدأ . وباسم اللّه تسير .
وإلى اللّه تتجه ، وإليه تصير .
واللّه هو الذي خلق . وهو الذي علم . فمنه البدء والنشأة ، ومنه التعليم والمعرفة . . والإنسان يتعلم ما يتعلم ، ويعلم ما يعلم . . فمصدر هذا كله هو اللّه الذي خلق والذي علم . .
« عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ »
. .
وهذه الحقيقة القرآنية الأولى ، التي تلقاها قلب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في اللحظة الأولى هي التي ظلت تصرف شعوره ، وتصرف لسانه ، وتصرف عمله واتجاهه ، بعد ذلك طوال حياته . بوصفها قاعدة الإيمان الأولى .
قال الإمام شمس الدين أبو عبد اللّه محمد بن قيم الجوزية في كتابه : « زاد المعاد في هدي خير العباد » يلخص هدي رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) في ذكر اللّه :
« كان النبي صلى اللّه عليه وسلم أكمل الخلق ذكرا للّه عزّ وجل . بل كان كلامه كله في ذكر اللّه وما والاه .
وكان أمره ونهيه وتشريعه للأمة ذكرا منه للّه ، وإخباره عن أسماء الرب وصفاته وأحكامه وأفعاله ووعده ووعيده ذكرا منه له ، وثناؤه عليه بآلائه وتمجيده وتحميده وتسبيحه ذكرا منه له ، وسؤاله ودعاؤه إياه ورغبته ورهبته ذكرا منه له . وسكوته وصمته ذكرا منه له بقلبه . فكان ذاكرا للّه في كل أحيانه وعلى جميع أحواله . وكان ذكره للّه يجري مع أنفاسه قائما وقاعدا وعلى جنبه ، وفي مشيته وركوبه ، وسيره ونزوله ، وظعنه وإقامته .
« وكان إذا استيقظ قال : الحمد للّه الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور . وقالت عائشة كان إذا هب من الليل كبر عشرا ، وهلل عشرا ، ثم قال : اللهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا وضيق يوم القيامة عشرا ، ثم يستفتح الصلاة . وقالت أيضا : كان إذا استيقظ من الليل قال : لا إله إلا أنت سبحانك . اللهم أستغفرك