تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3938

مساهمون:

ص٣٩٣٨
عليه وسلم - انطلق بنا إلى أم أيمن - رضي اللّه عنها - نزورها كما كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يزورها . فلما أتيا إليها بكت . فقالا لها : ما يبكيك ؟ أما تعلمين أن ما عند اللّه خير لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ؟ قالت : بلى ، إني لأعلم أن ما عند اللّه خير لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء . فهيجتهما على البكاء ، فجعلا يبكيان معها . . . ( أخرجه مسلم ) . . . ولقد ظلت آثار هذه الفترة تعمل في حياة البشر منذ تلك اللحظة إلى هذه اللحظة ، وإلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها . لقد ولد الإنسان من جديد باستمداد قيمه من السماء لا من الأرض ، واستمداد شريعته من الوحي لا من الهوى « 1 » . لقد تحول خط التاريخ كما لم يتحول من قبل قط ، وكما لم يتحول من بعد أيضا . وكان هذا الحدث هو مفرق الطريق . وقامت المعالم في الأرض واضحة عالية لا يطمسها الزمان ، ولا تطمسها الأحداث . وقام في الضمير الإنساني تصور للوجود وللحياة وللقيم لم يسبق أن اتضح بمثل هذه الصورة ، ولم يجيء بعده تصور في مثل شموله ونصاعته وطلاقته من اعتبارات الأرض جميعا ، مع واقعيته وملاءمته للحياة الإنسانية . ولقد استقرت قواعد هذا المنهج الإلهي في الأرض ! وتبينت خطوطه ومعالمه . « ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بينة » . . لا غموض ولا إبهام . إنما هو الضلال عن علم ، والانحراف عن عمد ، والالتواء عن قصد ! إنه الحادث الفذ في تلك اللحظة الفريدة . الحادث الكوني الذي ابتدأ به عهد في هذه الأرض وانتهى عهد . والذي كان فرقانا في تاريخ البشر لا في تاريخ أمة ولا جيل . والذي سجلته جنبات الوجود كله وهي تتجاوب به ، وسجله الضمير الإنساني . وبقي أن يتلفت هذا الضمير اليوم على تلك الذكرى العظيمة ولا ينساها . وأن يذكر دائما أنه ميلاد جديد للإنسانية لم يشهده إلا مرة واحدة في الزمان . . . ذلك شأن المقطع الأول من السورة . فأما بقيتها فواضح أنها نزلت فيما بعد . فهي تشير إلى مواقف وحوادث في السيرة لم تجىء إلا متأخرة ، بعد تكليف الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - إبلاغ الدعوة ، والجهر بالعبادة ، وقيام المشركين بالمعارضة . وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في السورة :
« أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى ؟ »
. . . إلخ ولكن هناك تناسقا كاملا بين أجزاء السورة ، وتسلسلا في ترتيب الحقائق التي تضمنتها بعد هذا المطلع المتقدم . يجعل من السورة كلها وحدة منسقة متماسكة . .
« اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ »
. . إنها السورة الأولى من هذا القرآن ، فهي تبدأ باسم اللّه . وتوجه الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أول ما توجه ، في أول لحظة من لحظات اتصاله بالملإ الأعلى ، وفي أول خطوة من خطواته في طريق الدعوة التي اختير لها . . توجهه إلى أن يقرأ باسم اللّه :
« اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ »
. . وتبدأ من صفات الرب بالصفة التي بها الخلق والبدء :
« الَّذِي خَلَقَ »
. ثم تخصص : خلق الإنسان ومبدأه :
« خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ »
. . من تلك النقطة الدموية الجامدة العالقة
هامش
( 1 ) يراجع تفسير سورة « عبس وتولى » ص 3822 من هذا الجزء .