إن الذي أعطاه فأغناه هو اللّه . كما أنه هو الذي خلقه وأكرمه وعلمه . ولكن الإنسان في عمومه - لا يستثنى إلا من يعصمه إيمانه - لا يشكر حين يعطى فيستغني ؛ ولا يعرف مصدر النعمة التي أغنته ، وهو المصدر الذي أعطاه خلقه وأعطاه علمه . . ثم أعطاه رزقه . . ثم هو يطغى ويفجر ، ويبغي ويتكبر ، من حيث كان ينبغي أن يعرف ثم يشكر .
وحين تبرز صورة الإنسان الطاغي الذي نسي نشأته وأبطره الغنى ، يجيء التعقيب بالتهديد الملفوف :
« إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى »
فأين يذهب هذا الذي طغى واستغنى ؟
وفي الوقت ذاته تبرز قاعدة أخرى من قواعد التصور الإيماني . قاعدة الرجعة إلى اللّه . الرجعة إليه في كل شيء وفي كل أمر ، وفي كل نية ، وفي كل حركة ، فليس هناك مرجع سواه . إليه يرجع الصالح والطالح .
والطائع والعاصي . والمحق والمبطل . والخير والشرّير . والغني والفقير . . وإليه يرجع هذا الذي يطغى أن رآه استغنى . ألا إلى اللّه تصير الأمور . . ومنه النشأة وإليه المصير . .
وهكذا تجتمع في المقطعين أطراف التصور الإيماني . . الخلق والنشأة . والتكريم والتعليم . . ثم . . الرجعة والمآب للّه وحده بلا شريك :
« إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى »
. .
ثم يمضي المقطع الثالث في السورة القصيرة يعرض صورة من صور الطغيان : صورة مستنكرة يعجب منها ، ويفظع وقوعها في أسلوب قرآني فريد .
« أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى ؟ أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى ؟ أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ؟ أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى ؟ »
.
والتشنيع والتعجيب واضح في طريقة التعبير ، التي تتعذر مجاراتها في لغة الكتابة . ولا تؤدّى إلا في أسلوب الخطاب الحي . الذي يعبر باللمسات المتقطعة في خفة وسرعة !
« أَ رَأَيْتَ »
؟ أرأيت هذا الأمر المستنكر ؟ أرأيته يقع ؟
« أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى ؟ »
.
أرأيت حين تضم شناعة إلى شناعة ؟ وتضاف بشاعة إلى بشاعة ؟ أرأيت إن كان هذا الذي يصلي ويتعرض له من ينهاه عن صلاته . . إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى ؟ ثم ينهاه من ينهاه . مع أنه على الهدى ، آمر بالتقوى ؟ .
أرأيت إن أضاف إلى الفعلة المستنكرة فعلة أخرى أشد نكرا ؟
« أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ؟ »
.
هنا يجيء التهديد الملفوف كما جاء في نهاية المقطع الماضي :
« أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى ؟ »
يرى تكذيبه وتوليه .
ويرى نهيه للعبد المؤمن إذا صلى ، وهو على الهدى ، آمر بالتقوى . يرى . وللرؤية ما بعدها !
« أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى ! »
.
وأمام مشهد الطغيان الذي يقف في وجه الدعوة وفي وجه الإيمان ، وفي وجه الطاعة ، يجيء التهديد الحاسم الرادع الأخير ، مكشوفا في هذه المرة لا ملفوفا :
« كَلَّا . لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ . ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ . فَلْيَدْعُ نادِيَهُ . سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ »
.
إنه تهديد في إبانه . في اللفظ الشديد العنيف :
« كَلَّا . لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ »
.