تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3918

مساهمون:

ص٣٩١٨
الشر . . فقد أفلح . ومن أظلم هذه القوة وخبأها وأضعفها فقد خاب :
« قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها »
. . وهنالك إذن تبعة مترتبة على منح الإنسان هذه القوة الواعية القادرة على الاختيار والتوجيه . توجيه الاستعدادات الفطرية القابلة للنمو في حقل الخير وفي حقل الشر سواء . فهي حرية تقابلها تبعة ، وقدرة يقابلها تكليف ، ومنحة يقابلها واجب . . ورحمة من اللّه بالإنسان لم يدعه لاستعداد فطرته الإلهامي ، ولا للقوة الواعية المالكة للتصرف ، فأعانه بالرسالات التي تضع له الموازين الثابتة الدقيقة ، وتكشف له عن موحيات الإيمان ، ودلائل الهدى في نفسه وفي الآفاق من حوله ، وتجلو عنه غواشي الهوى فيبصر الحق في صورته الصحيحة . . وبذلك يتضح له الطريق وضوحا كاشفا لا غبش فيه ولا شبهة فتتصرف القوة الواعية حينئذ عن بصيرة وإدراك لحقيقة الاتجاه الذي تختاره وتسير فيه . وهذه في جملتها هي مشيئة اللّه بالإنسان . وكل ما يتم في دائرتها فهو محقق لمشيئة اللّه وقدره العام . هذه النظرة المجملة إلى أقصى حد « 1 » تنبثق منها جملة حقائق ذات قيمة في التوجيه التربوي : فهي أولا ترتفع بقيمة هذا الكائن الإنساني ، حين تجعله أهلا لاحتمال تبعة اتجاهه ، وتمنحه حرية الاختيار ( في اطار المشيئة الإلهية التي شاءت له هذه الحرية فيما يختار ) فالحرية والتبعة يضعان هذا الكائن في مكان كريم ، ويقرران له في هذا الوجود منزلة عالية تليق بالخليقة التي نفخ اللّه فيها من روحه وسواها بيده ، وفضلها على كثير من العالمين . وهي ثانيا تلقي على هذا الكائن تبعة مصيره ، وتجعل أمره بين يديه ( في اطار المشيئة الكبرى كما أسلفنا ) فتثير في حسه كل مشاعر اليقظة والتحرج والتقوى . وهو يعلم أن قدر اللّه فيه يتحقق من خلال تصرفه هو بنفسه :
« إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ »
. . وهي تبعة ثقيلة لا يغفل صاحبها ولا يغفو ! وهي ثالثا تشعر هذا الإنسان بالحاجة الدائمة للرجوع إلى الموازين الإلهية الثابثة ، ليظل على يقين أن هواه لم يخدعه ، ولم يضلله ، كيلا يقوده الهوى إلى المهلكة ، ولا يحق عليه قدر اللّه فيمن يجعل إلهه هواه . وبذلك يظل قريبا من اللّه ، يهتدي بهديه ، ويستضيء بالنور الذي أمده به في متاهات الطريق ! ومن ثم فلا نهاية لما يملك هذا الإنسان أن يصل إليه من تزكية النفس وتطهيرها ، وهو يغتسل في نور اللّه الفائض ، ويتطهر في هذا العباب الذي يتدفق حوله من ينابيع الوجود . . بعد ذلك يعرض نموذجا من نماذج الخيبة التي ينتهي إليها من يدسي نفسه ، فيحجبها عن الهدى ويدنسها . ممثلا هذا النموذج فيما أصاب ثمود من غضب ونكال وهلاك :
« كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها . إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها
. فقال لهم رسول اللّه :
ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها . فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها . فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها . وَلا يَخافُ عُقْباها »
. . وقد وردت قصة ثمود ونبيها صالح - عليه السلام - في مواضع شتى من القرآن . وسبق الحديث عنها في كل موضع . وأقربها ما جاء في هذا الجزء في سورة « الفجر » فيرجع إلى تفصيلات القصة هناك .
هامش
( 1 ) يراجع بتوسع في نظرية الإسلام النفسية كتاب « الإنسان بين المادية والإسلام » لمحمد قطب .