تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3911

مساهمون:

ص٣٩١١
. . ليختار أيهما شاء ، ففي طبيعته هذا الاستعداد المزدوج لسلوك أي النجدين . والنجد الطريق المرتفع . وقد اقتضت مشيئة اللّه أن تمنحه القدرة على سلوك أيهما شاء ، وأن تخلقه بهذا الازدواج طبقا لحكمة اللّه في الخلق ، وإعطاء كل شيء خلقه ، وتيسيره لوظيفته في هذا الوجود . وهذه الآية تكشف عن حقيقة الطبيعة الإنسانية ؛ كما أنها تمثل قاعدة « النظرية النفسية الإسلامية » هي والآيات الأخرى في سورة الشمس :
« وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ، فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها »
( وسنرجئ عرضها بشيء من التفصيل إلى الموضع الآخر في سورة الشمس لأنه أوسع مجالا ) . هذه الآلاء التي أفاضها اللّه على جنس الإنسان في خاصة نفسه ، وفي صميم تكوينه ، والتي من شأنها أن تعينه على الهدى : عيناه بما تريان في صفحات هذا الكون من دلائل القدرة وموحيات الإيمان ؛ وهي معروضة في صفحات الكون مبثوثة في حناياه . ولسانه وشفتاه وهما أداة البيان والتعبير ؛ وعنهما يملك الإنسان أن يفعل الشيء الكثير . والكلمة أحيانا تقوم مقام السيف والقذيفة وأكثر ؛ وأحيانا تهوي بصاحبها في النار كما ترفعه أو تخفضه . في هذه النار . . « عن معاذ بن جبل رضي اللّه عنه قال : كنت مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في سفر ، فأصبحت يوما قريبا منه ، ونحن نسير ، فقلت : يا رسول اللّه أخبرني بعمل يدخلني الجنة ، ويباعدني عن النار . قال : سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره اللّه عليه : تعبد اللّه ولا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت . ثم قال : ألا أدلك على أبواب الخير ؟ قلت : بلى يا رسول اللّه . قال : الصوم جنة ، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ، وصلاة الرجل في جوف الليل شعار الصالحين ، ثم تلا قوله تعالى :
« تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ . . . . »
ثم قال : ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه ؟ قلت : بلى يا رسول اللّه . قال : رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد . ثم قال : ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ قلت : بلى يا رسول اللّه . قال : كف عليك هذا ، وأشار إلى لسانه . قلت : يا نبي اللّه وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ قال : ثكلتك أمك ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم - أو قال : على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم ؟ » رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة . وهدايته إلى إدراك الخير والشر ، ومعرفة الطريق إلى الجنة والطريق إلى النار ، وإعانته على الخير بهذه الهداية . . هذه الآلاء كلها لم تدفع هذا
« الْإِنْسانَ »
إلى اقتحام العقبة التي تحول بينه وبين الجنة . هذه العقبة التي يبينها اللّه له في هذه الآيات :
« فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ . . وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ ؟ فَكُّ رَقَبَةٍ . أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ، يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ ، أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ . ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ . أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ »
. . هذه هي العقبة التي يقتحمها الإنسان - إلا من استعان بالإيمان - هذه هي العقبة التي تقف بينه وبين الجنة . لو تخطاها لوصل ! وتصويرها كذلك حافز قوي ، واستجاشة للقلب البشري ، وتحريك له ليقتحم العقبة وقد وضحت ووضح معها أنها الحائل بينه وبين هذا المكسب الضخم . .
« فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ »
! ففيه تحضيض ودفع وترغيب ! ثم تفخيم لهذا الشأن وتعظيم :
« وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ ! »
. . إنه ليس تضخيم العقبة ، ولكنه تعظيم شأنها عند اللّه ، ليحفز به
« الْإِنْسانَ »
إلى اقتحامها وتخطيها ؛ مهما تتطلب من جهد ومن كبد . فالكبد واقع واقع . وحين يبذل لاقتحام العقبة يؤتي ثمره ويعوض المقتحم عما يكابده ، ولا يذهب ضياعا وهو واقع واقع على كل حال !