وهذا يكدح في سبيل اللّه . وهذا يكدح لشهوة ونزوة . وهذا يكدح لعقيدة ودعوة . وهذا يكدح إلى النار . وهذا يكدح إلى الجنة . . والكل يحمل حمله ويصعد الطريق كادحا إلى ربه فيلقاه ! وهناك يكون الكبد الأكبر للأشقياء .
وتكون الراحة الكبرى للسعداء .
إنه الكبد طبيعة الحياة الدنيا . تختلف أشكاله وأسبابه . ولكنه هو الكبد في النهاية . فأخسر الخاسرين هو من يعاني كبد الحياة الدنيا لينتهي إلى الكبد الأشق الأمرّ في الأخرى . وأفلح الفالحين من يكدح في الطريق إلى ربه ليلقاه بمؤهلات تنهي عنه كبد الحياة ، وتنتهي به إلى الراحة الكبرى في ظلال اللّه .
على أن في الأرض ذاتها بعض الجزاء على ألوان الكدح والعناء . إن الذي يكدح للأمر الجليل ليس كالذي يكدح للأمر الحقير . ليس مثله طمأنينة بال وارتياحا للبذل ، واسترواحا بالتضحية ، فالذي يكدح وهو طليق من أثقال الطين ، أو للانطلاق من هذه الأثقال ، ليس كالذي يكدح ليغوص في الوحل ويلصق بالأرض كالحشرات والديدان ! والذي يموت في سبيل دعوة ليس كالذي يموت في سبيل نزوة . . ليس مثله في خاصة شعوره بالجهد والكبد الذي يلقاه .
وبعد تقرير هذه الحقيقة عن طبيعة الحياة الإنسانية يناقش بعض دعاوى
« الْإِنْسانَ »
وتصوراته التي تشي بها تصرفاته :
« أَ يَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ؟ يَقُولُ : أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً . أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ؟ »
.
إن هذا
« الْإِنْسانَ »
المخلوق في كبد ، الذي لا يخلص من عناء الكدح والكد ، لينسى حقيقة حاله وينخدع بما يعطيه خالقه من أطراف القوة والقدرة والوجدان والمتاع ، فيتصرف تصرف الذي لا يحسب أنه مأخوذ بعمله ، ولا يتوقع أن يقدر عليه قادر فيحاسبه . . فيطغى ويبطش ويسلب وينهب ، ويجمع ويكثر ، ويفسق ويفجر ، دون أن يخشى ودون أن يتحرج . . وهذه هي صفة الإنسان الذي يعرى قلبه من الإيمان .
ثم إنه إذا دعي للخير والبذل ( في مثل المواضع التي ورد ذكرها في السورة )
« يَقُولُ : أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً »
. .
وأنفقت شيئا كثيرا فحسبي ما أنفقت وما بذلت !
« أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ »
؟ وينسى أن عين اللّه عليه ، وأن علمه محيط به ، فهو يرى ما أنفق ، ولما ذا أنفق ؟ ولكن هذا
« الْإِنْسانَ »
كأنما ينسى هذه الحقيقة ، ويحسب أنه في خفاء عن عين اللّه ! وأمام هذا الغرور الذي يخيل للإنسان أنه ذو منعة وقوة ، وأمام ضنه بالمال وادعائه أنه بذل الكثير ، يجابهه القرآن بفيض الآلاء عليه في خاصة نفسه ، وفي صميم تكوينه ، وفي خصائص طبيعته واستعداداته ، تلك الآلاء التي لم يشكرها ولم يقم بحقها عنده :
« أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ؟ وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ ؟ وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ؟ »
. .
إن الإنسان يغتر بقوته ، واللّه هو المنعم عليه بهذا القدر من القوة . ويضن بالمال . واللّه هو المنعم عليه بهذا المال . ولا يهتدي ولا يشكر ، وقد جعل له من الحواس ما يهديه في عالم المحسوسات : جعل له عينين على هذا القدر من الدقة في تركيبهما وفي قدرتهما على الإبصار . وميزه بالنطق ، وأعطاه أداته المحكمة :
« وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ »
. .
ثم أودع نفسه خصائص القدرة على إدراك الخير والشر ، والهدى والضلال ، والحق والباطل :
« وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ »