المنوعة في ثنايا القرآن كله ، ويجملهما هنا حيث يصفهما بالتفرد بلا شبيه من عذاب البشر ووثاقهم . أو من عذاب الخلق جميعا ووثاقهم . وذلك مقابل ما أسلف في السورة من طغيان الطغاة ممثلين في عاد وثمود وفرعون ، وإكثارهم من الفساد في الأرض ، مما يتضمن تعذيب الناس وربطهم بالقيود والأغلال . فها هو ذا ربك - أيها النبي وأيها المؤمن - يعذب ويوثق من كانوا يعذبون الناس ويوثقونهم . ولكن شتان بين عذاب وعذاب ، ووثاق ووثاق . . وهان ما يملكه الخلق من هذا الأمر ، وجل ما يفعله صاحب الخلق والأمر . فليكن عذاب الطغاة للناس ووثاقهم ما يكون . فسيعذبون هم ويوثقون ، عذابا ووثاقا وراء التصورات والظنون ! وفي وسط هذا الهول المروع ، وهذا العذاب والوثاق ، الذي يتجاوز كل تصور تنادى
« النَّفْسُ »
المؤمنة من الملأ الأعلى :
« يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ . ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً . فَادْخُلِي فِي عِبادِي . وَادْخُلِي جَنَّتِي »
. .
هكذا في عطف وقرب :
« يا أَيَّتُهَا »
وفي روحانية وتكريم :
« يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ »
. . وفي ثناء وتطمين . .
« يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ »
. . وفي وسط الشد والوثاق ، الانطلاق والرخاء :
« ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ »
ارجعي إلى مصدرك بعد غربة الأرض وفرقة المهد . ارجعي إلى ربك بما بينك وبينه من صلة ومعرفة ونسبة . .
« راضِيَةً مَرْضِيَّةً »
بهذه النداوة التي تفيض على الجو كله بالتعاطف وبالرضى . .
« فَادْخُلِي فِي عِبادِي »
. . المقربين المختارين لينالوا هذه القربى . .
« وَادْخُلِي جَنَّتِي »
. . في كنفي ورحمتي . .
إنها عطفة تنسم فيها أرواح الجنة . منذ النداء الأول :
« يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ »
. . المطمئنة إلى ربها . المطمئنة إلى طريقها . المطمئنة إلى قدر اللّه بها . المطمئنة في السراء والضراء ، وفي البسط والقبض ، وفي المنع والعطاء .
المطمئنة فلا ترتاب . والمطمئنة فلا تنحرف . والمطمئنة فلا تتلجلج في الطريق . والمطمئنة فلا ترتاع في يوم الهول الرعيب . .
ثم تمضي الآيات تباعا تغمر الجو كله بالأمن والرضى والطمأنينة ، والموسيقى الرخية الندية حول المشهد ترف بالود والقربى والسكينة .
ألا إنها الجنة بأنفاسها الرضية الندية ، تطل من خلال هذه الآيات . وتتجلى عليها طلعة الرحمن الجليلة البهية . . .