تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3890

مساهمون:

ص٣٨٩٠
إن الذي ييسره اللّه لليسرى ليمضي في حياته كلها ميسرا . يمضي مع هذا الوجود المتناسق التركيب والحركة والاتجاه . . إلى اللّه . . فلا يصطدم إلا مع المنحرفين عن خط هذا الوجود الكبير - وهم لا وزن لهم ولا حساب حين يقاسون إلى هذا الوجود الكبير - يمضي في حركة يسيرة لطيفة هينة لينة مع الوجود كله ومع الأحداث والأشياء والأشخاص ، ومع القدر الذي يصرف الأحداث والأشياء والأشخاص . اليسر في يده . واليسر في لسانه . واليسر في خطوه . واليسر في عمله . واليسر في تصوره . واليسر في تفكيره . واليسر في أخذه للأمور . واليسر في علاجه للأمور . اليسر مع نفسه واليسر مع غيره . وهكذا كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في كل أمره . . ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما كما روت عنه عائشة - رضي اللّه عنها « 1 » - وكما قالت عنه : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا خلا في بيته ألين الناس ، بساما ضحاكا » وفي صحيح البخاري : « كانت الأمة تأخذ بيد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت » ! وفي هديه - صلى اللّه عليه وسلم - في اللباس والطعام والفراش وغيرها ما يعبر عن اختيار اليسر وقلة التكلف البتة . جاء في زاد المعاد لشمس الدين أبي عبد اللّه محمد بن قيم الجوزية ، عن هديه - صلى اللّه عليه وسلم - في « ملابسه » : « كانت له عمامة تسمى السحاب كساها عليا ، وكان يلبسها ويلبس تحتها القلنسوة . وكان يلبس القلنسوة بغير عمامة ، ويلبس العمامة بغير قلنسوة . وكان إذا اعتم أرخى عمامته بين كتفيه - كما رواه مسلم في صحيحه . عن عمر بن حريث قال : رأيت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه . وفي مسلم أيضا عن جابر ذؤابة ، فدل على أن الذؤابة لم يكن يرخيها دائما بين كتفيه . وقد يقال : إنه دخل مكة وعليه أهبة القتال والمغفر على رأسه فلبس في كل موطن ما يناسبه » . وفي فصل آخر قال : « والصواب أن أفضل الطرق طريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي سنها وأمر بها ورغب فيها وداوم عليها . وهي أن هديه في اللباس أن يلبس ما تيسر من اللباس . من الصوف تارة ، والقطن تارة ، والكتان تارة ، ولبس البرود اليمانية والبرد الأخضر . ولبس الجبة والقباء والقميص والسراويل والإزار والرداء والخف والنعل ، وأرخى الذؤابة من خلفه تارة وتركها تارة . . إلخ » . . وقال في هديه في الطعام : « وكذلك كان هديه - صلى اللّه عليه وسلم - وسيرته في الطعام ، لا يرد موجودا ولا يتكلف مفقودا . فما قرب إليه شيء من الطيبات إلا أكله - إلا أن تعافه نفسه فيتركه من غير تحريم - وما عاب طعاما قط . إن اشتهاه أكله ، وإلا تركه ، كما ترك أكل الضب لما لم يعتده ، ولم يحرمه على الأمة ، بل أكل على مائدته وهو ينظر . وأكل الحلوى والعسل - وكان يحبهما - وأكل الرطب والتمر ، وشرب اللبن خالصا ومشوبا والسويق والعسل بالماء ، وشرب نقيع التمر ، وأكل الخزيرة - وهي حساء يتخذ من اللبن والدقيق - وأكل القثاء بالرطب ، وأكل الأقط ، وأكل التمر بالخبز ، وأكل الخبز بالخل ، وأكل القديد ، وأكل الدباء المطبوخة - وكان يحبها - وأكل المسلوقة ، وأكل الثريد بالسمن ، وأكل الجبن ، وأكل الخبز بالزيت ، وأكل البطيخ بالرطب . وأكل التمر بالزبد - وكان يحبه - ولم يكن يرد طيبا ولا يتكلفه ، بل كان هديه أكل ما تيسر ، فإن أعوزه صبر . . . إلخ » . وقال عن هديه في نومه وانتباهه : « كان ينام على فراشه تارة وعلى النطع تارة ، وعلى الحصير ، تارة ، وعلى
هامش
( 1 ) أخرجه الشيخان عن عائشة .