« يا أبا ذر طفّ الصاع ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل « 1 » » . ففرق في الأمر إلى جذوره البعيدة . .
إما إسلام فهي قيم السماء وموازين السماء . وإما جاهلية فهي قيم الأرض وموازين الأرض ! ووصلت الكلمة النبوية بحرارتها إلى قلب أبي ذر الحساس ؛ فانفعل لها أشد الانفعال ، ووضع جبهته على الأرض يقسم ألا يرفعها حتى يطأها بلال . تكفيرا عن قولته الكبيرة ! وكان الميزان الذي ارتفع به بلال هو ميزان السماء . . عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - : « يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام منفعة عندك . فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة » . فقال : ما عملت في الإسلام عملا أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهورا تاما في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي « 2 » .
وكان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - يقول عن عمار بن ياسر وقد استأذن عليه : « ائذنوا له مرحبا بالطيب المطيب » « 3 » . . وقال عنه : « ملئ عمار - رضي اللّه عنه - إيمانا إلى مشاشه « 4 » » . . وعن حذيفة - رضي اللّه عنه قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - : « إني لا أدري ما بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي - وأشار إلى أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما - واهتدوا بهدي عمار . وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه » « 5 » .
وكان ابن مسعود يحسبه الغريب عن المدينة من أهل بيت رسول اللّه . . عن أبي موسى - رضي اللّه عنه - قال : قدمت أنا وأخي من اليمن ، فمكثنا حينا وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - من كثرة دخولهم على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - ولزومهم له » « 6 » .
وجليبيب - وهو رجل من الموالي - كان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - يخطب له بنفسه ليزوجه امرأة من الأنصار . فلما تأبى أبواها قالت هي : أتريدون أن تردوا على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - أمره ؟
إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه . فرضيا وزوجاها « 7 » .
وقد افتقده رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - في الوقعة التي استشهد فيها بعد فترة قصيرة من زواجه . . عن أبي برزة الأسلمي - رضي اللّه عنه - قال : كان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - في مغزى له ، فأفاء اللّه عليه . فقال لأصحابه : « هل تفقدون من أحد ؟ » قالوا : نعم فلانا وفلانا وفلانا . ثم قال : « هل تفقدون من أحد ؟ » قالوا : نعم . فلانا وفلانا وفلانا . ثم قال : « هل تفقدون من أحد ؟ » فقالوا : لا . قال : « لكني أفقد جليبيبا » فطلبوه ، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه . فأتى النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - فوقف عليه ، ثم قال : قتل سبعة ثم قتلوه . هذا مني وأنا منه . هذا مني وأنا منه . ثم وضعه على ساعديه ، ليس له سرير إلا ساعدا النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - قال : فحفر له ، ووضع في قبره ولم يذكر غسلا « 8 » .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن المبارك في البر والصلة مع اختلاف .
( 2 ) أخرجه الشيخان .
( 3 ) أخرجه الترمذي .
( 4 ) أخرجه النسائي .
( 5 ) أخرجه الترمذي .
( 6 ) أخرجه الشيخان والترمذي .
( 7 ) من حديث في مسند الإمام أحمد عن أنس .
( 8 ) أخرجه مسلم .