تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3825

مساهمون:

ص٣٨٢٥
ثم يستدير التعبير - بعد مواراة الفعل الذي نشأ عنه العتاب - يستدير إلى العتاب في صيغة الخطاب . فيبدأ هادئا شيئا ما :
« وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ؟ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ؟ »
. . ما يدريك أن يتحقق هذا الخير الكبير . أن يتطهر هذا الرجل الأعمى الفقير - الذي جاءك راغبا فيما عندك من الخير - وأن يتيقظ قلبه فيتذكر فتنفعه الذكرى . ما يدريك أن يشرق هذا القلب بقبس من نور اللّه ، فيستحيل منارة في الأرض تستقبل نور السماء ؟ الأمر الذي يتحقق كلما تفتح قلب للهدى وتمت حقيقة الإيمان فيه . وهو الأمر العظيم الثقيل في ميزان اللّه . . ثم تعلو نبرة العتاب وتشتد لهجته ؛ وينتقل إلى التعجيب من ذلك الفعل محل العتاب :
« أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ؟ ! وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ؟ ! وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى ، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ؟ ! »
. . أما من أظهر الاستغناء عنك وعن دينك وعما عندك من الهدى والخير والنور والطهارة . . أما هذا فأنت تتصدى له وتحفل أمره ، وتجهد لهدايته ، وتتعرض له وهو عنك معرض !
« وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ؟ »
. . وما يضيرك أن يظل في رجسه ودنسه ؟ وأنت لا تسأل عن ذنبه . وأنت لا تنصر به . وأنت لا تقوم بأمره . .
« وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى »
طائعا مختارا ،
« وَهُوَ يَخْشى »
ويتوقى
« فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ! »
. . ويسمي الانشغال عن الرجل المؤمن الراغب في الخير التقي تلهيا . . وهو وصف شديد . . ثم ترتفع نبرة العتاب حتى لتبلغ حد الردع والزجر :
« كَلَّا ! »
. . لا يكن ذلك أبدا . . وهو خطاب يسترعي النظر في هذا المقام . ثم يبين حقيقة هذه الدعوة وكرامتها وعظمتها ورفعتها ، واستغناءها عن كل أحد . وعن كل سند . وعنايتها فقط بمن يريدها لذاتها ، كائنا ما كان وضعه ووزنه في موازين الدنيا :
« إِنَّها تَذْكِرَةٌ . فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ . فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ . مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ . بِأَيْدِي سَفَرَةٍ . كِرامٍ بَرَرَةٍ »
. . فهي كريمة في كل اعتبار . كريمة في صحفها ، المرفوعة المطهرة الموكل بها السفراء من الملأ الأعلى ينقلونها إلى المختارين في الأرض ليبلغوها . وهم كذلك كرام بررة . . فهي كريمة طاهرة في كل ما يتعلق بها ، وما يمسها من قريب أو من بعيد . وهي عزيزة لا يتصدى بها للمعرضين الذين يظهرون الاستغناء عنها ؛ فهي فقط لمن يعرف كرامتها ويطلب التطهر بها . . هذا هو الميزان . ميزان اللّه . الميزان الذي توزن به القيم والاعتبارات ، ويقدر به الناس والأوضاع . . وهذه هي الكلمة . كلمة اللّه . الكلمة التي ينتهي إليها كل قول ، وكل حكم ، وكل فصل . وأين هذا ؟ ومتى ؟ في مكة ، والدعوة مطاردة ، والمسلمون قلة . والتصدي للكبراء لا ينبعث من مصلحة ذاتية ؛ والانشغال عن الأعمى الفقير لا ينبعث من اعتبار شخصي . إنما هي الدعوة أولا وأخيرا . ولكن الدعوة إنما هي هذا الميزان ، وإنما هي هذه القيم ، وقد جاءت لتقرر هذا الميزان وهذه القيم في حياة البشر . فهي لا تعز ولا تقوى ولا تنصر إلا بإقرار هذا الميزان وهذه القيم . . ثم إن الأمر - كما تقدم - أعظم وأشمل من هذا الحادث المفرد ، ومن موضوعه المباشر . إنما هو أن يتلقى الناس الموازين والقيم من السماء لا من الأرض ، ومن الاعتبارات السماوية لا من الاعتبارات الأرضية . .
« إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ »
. . والأكرم عند اللّه هو الذي يستحق الرعاية والاهتمام والاحتفال ، ولو تجرد من كل المقومات والاعتبارات الأخرى ، التي يتعارف عليها الناس تحت ضغط واقعهم الأرضي ومواضعاتهم الأرضية . النسب والقوة والمال . . وسائر القيم الأخرى ، لا وزن لها حين تتعرى عن الإيمان والتقوى . والحالة الوحيدة التي يصح لها فيها وزن واعتبار هي حالة ما إذا أنفقت لحساب الإيمان والتقوى .
في ظلال القرآن — صفحة 3825 | سيد قطب