على يديها ميلاد جديد للإنسان كالميلاد الذي شهدته أول مرة ، والذي جاء ذلك الحادث الذي حكاه مطلع هذه السورة ليعلنه في تلك الآيات القليلة الحاسمة العظيمة . .
وبعد تقرير تلك الحقيقة الكبيرة في ثنايا التعقيب على ذلك الحادث ، في المقطع الأول من السورة ، يعجب السياق في المقطع الثاني من أمر هذا الإنسان ، الذي يعرض عن الهدى ، ويستغني عن الإيمان ، ويستعلي على الدعوة إلى ربه . . يعجب من أمره وكفره ، وهو لا يذكر مصدر وجوده ، وأصل نشأته ، ولا يرى عناية اللّه به وهيمنته كذلك على كل مرحلة من مراحل نشأته في الأولى والآخرة ؛ ولا يؤدي ما عليه لخالقه وكافله ومحاسبه :
« قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ! مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ؟ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ . ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ . ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ . ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ . كَلَّا ! لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ »
. .
« قُتِلَ الْإِنْسانُ ! »
. . فإنه ليستحق القتل على عجيب تصرفه . . فهي صيغة تفظيع وتقبيح وتشنيع لأمره .
وإفادة أنه يرتكب ما يستوجب القتل لشناعته وبشاعته . .
« ما أَكْفَرَهُ ! »
. . ما أشد كفره وجحوده ونكرانه لمقتضيات نشأته وخلقته . ولو رعى هذه المقتضيات لشكر خالقه ، ولتواضع في دنياه ، ولذكر آخرته . .
وإلا فعلام يتكبر ويستغني ويعرض ؟ وما هو أصله وما هو مبدؤه ؟
« مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ؟ »
. .
إنه أصل متواضع زهيد ، يستمد كل قيمته من فضل اللّه ونعمته ، ومن تقديره وتدبيره :
« مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ »
. .
من هذا الشيء الذي لا قيمة له ؛ ومن هذا الأصل الذي لا قوام له . . ولكن خالقه هو الذي قدره . قدره .
من تقدير الصنع وإحكامه . وقدره : من منحه قدرا وقيمة فجعله خلقا سويا ، وجعله خلقا كريما . وارتفع به من ذلك الأصل المتواضع ، إلى المقام الرفيع الذي تسخر له فيه الأرض وما عليها .
« ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ »
. .
فمهد له سبيل الحياة . أو مهد له سبيل الهداية . ويسره لسلوكه بما أودعه من خصائص واستعدادات . سواء لرحلة الحياة ، أو للاهتداء فيها .
حتى إذا انتهت الرحلة ، صار إلى النهاية التي يصير إليها كل حي . بلا اختيار ولا فرار :
« ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ »
. .
فأمره في نهايته كأمره في بدايته ، في يد الذي أخرجه إلى الحياة حين شاء ، وأنهى حياته حين شاء ، وجعل مثواه جوف الأرض ، كرامة له ورعاية ، ولم يجعل السنة أن يترك على ظهرها للجوارح والكواسر . وأودع فطرته الحرص على مواراة ميته وقبره . فكان هذا طرفا من تدبيره له وتقديره .
حتى إذا حان الموعد الذي اقتضته مشيئته ، أعاده إلى الحياة لما يراد به من الأمر :
« ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ »
. .
فليس متروكا سدى ، ولا ذاهبا بلا حساب ولا جزاء . . فهل تراه تهيأ لهذا الأمر واستعد ؟