تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3192

مساهمون:

ص٣١٩٢
حاجز الزمان وحاجز المكان وحاجز الشكل والصورة . وهنا يسأل الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - ويجاب ، بلا حاجز ولا حجاب . كما وقع في ليلة الإسراء والمعراج . وإنه ليحسن في مثل هذه المواطن ألا نعتد كثيرا بالمألوف في حياتنا . فهذا المألوف ليس هو القانون الكلي . ونحن لا ندرك من هذا الوجود إلا بعض ظواهره وبعض آثاره ، حين نهتدي إلى طرف من قانونه . وهناك حجب من تكويننا ذاته ومن حواسنا وما نرتبه عليها من مألوفات . فأما اللحظة التي تتجرد فيها النفس من هذه العوائق والحجب فيكون لقاء الحقيقة المجردة للإنسان بالحقيقة المجردة لأي شيء آخر أمرا أيسر من لمس الأجسام للأجسام ! وفي سياق تسلية الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - عما يعترض به المعترضون من كبراء قومه على اختياره ؛ واعتزازهم بالقيم الباطلة لعرض هذه الحياة الدنيا . تجيء حلقة من قصة موسى - عليه السّلام - مع فرعون وملئه ، يذكر فيها اعتزاز فرعون بمثل ما يعتز به من يقولون :
« لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ »
! وتباهيه بما له من ملك ومن سلطان ، وتساؤله في فخر وخيلاء :
« أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي ؟ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ؟ »
. . وانتفاخه على موسى - عبد اللّه ورسوله - وهو مجرد من الجاه الأرضي والعرض الدنيوي :
« أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ ؟ »
. . واقتراحه الذي يشبه ما يقترحون :
« فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ »
. . وكأنما هي نسخة تكرر ، أو أسطوانة تعاد ! ثم يبين كيف استجابت لفرعون الجماهير المستخفة المخدوعة ؛ على الرغم من الخوارق التي عرضها عليهم موسى - عليه السّلام - وعلى الرغم مما أصابهم من ابتلاءات ، واستغاثتهم بموسى ليدعو ربه فيكشف عنهم البلاء . ثم كيف كانت العاقبة بعد ما ألزمهم اللّه الحجة بالتبليغ :
« فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ ، فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ »
. . وها هم أولاء الآخرون لا يعتبرون ولا يتذكرون ! ومن خلال هذه الحلقة تتجلى وحدة الرسالة ، ووحدة المنهج ، ووحدة الطريق . كما تتبدى طبيعة الكبراء والطغاة في استقبال دعوة الحق ، واعتزازهم بالتافه الزهيد من عرض هذه الأرض ؛ وطبيعة الجماهير التي يستخفها الكبراء والطغاة على مدار القرون !
« وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ ، فَقالَ : إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ . فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ »
. . هنا يعرض حلقة اللقاء الأول بين موسى وفرعون ، في إشارة مقتضبة تمهيدا لاستعراض النقطة الرئيسية المقصودة من القصة في هذا الموضع - وهي تشابه اعتراضات فرعون وقيمه مع اعتراضات مشركي العرب وقيمهم - ويلخص حقيقة رسالة موسى :
« فَقالَ : إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ »
. . وهي ذات الحقيقة التي جاء بها كل رسول : أنه
« رَسُولُ »
وأن الذي أرسله هو
« رَبِّ الْعالَمِينَ »
. . ويشير كذلك إشارة سريعة إلى الآيات التي عرضها موسى ، وينهي هذه الإشارة بطريقة استقبال القوم لها :
« إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ »
. . شأن الجهال المتعالين !
في ظلال القرآن — صفحة 3192 | سيد قطب