وقاده في طريق الهلاك ، وهو يلوح له بالسلامة ! ينظر إليه في حنق يقول :
« يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ »
! يا ليته لم يكن بيننا لقاء . على هذا البعد السحيق ! ويعقب القرآن على حكاية قول القرين الهالك للقرين بقوله :
« فَبِئْسَ الْقَرِينُ »
! ونسمع كلمة التيئيس الساحقة لهذا وذاك عند إسدال الستار على الجميع :
« وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ »
! فالعذاب كامل لا تخففه الشركة ، ولا يتقاسمه الشركاء فيهون ! عندئذ ينصرف عن هؤلاء ، في مشهدهم البائس الكئيب ؛ ويدعهم يتلاومون ويتشاتمون . ويتجه بالخطاب إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - يسليه عن هذا المصير البائس الذي انتهى إليه فريق من البشر ؛ ويعزيه عن إعراضهم عنه وكفرهم بما جاء به ؛ ويثبته على الحق الذي أوحى إليه ؛ وهو الحق الثابت المطرد من قديم ، في رسالة كل رسول :
« أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ؟ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ . أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ . فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ، وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ . وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا : أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ؟ »
. .
وهذا المعنى يتكرر في القرآن تسلية لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وبيانا لطبيعة الهدى والضلال ، ورجعهما إلى مشيئة اللّه وتقديره وحده ؛ وإخراجهما من نطاق وظيفة الرسل - عليهم الصلاة والسّلام - ووضع حدود فاصلة بين مجال القدرة الإنسانية المحدودة في أعلى درجاتها عند مرتقى النبوة ، ومجال القدرة الإلهية الطليقة ؛ وتثبيت معنى التوحيد في صورة من أدق صوره ، وفي موضع من ألطف مواضعه :
« أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ »
. .
وهم ليسوا صما ولا عميا ، ولكنهم كالصم والعمي في الضلال ، وعدم الانتفاع بالدعاء إلى الهدى ، والإشارة إلى دلائله . ووظيفة الرسول أن يسمع من يسمع ، وأن يهدي من يبصر . فإذا هم عطلوا جوارحهم ، وطمسوا منافذ قلوبهم وأرواحهم . فما للرسول إلى هداهم من سبيل ؛ ولا عليه من ضلالهم ، فقد قام بواجبه الذي يطيق .
واللّه يتولى الأمر بعد أداء الرسول لواجبه المحدود :
« فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ . أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ »
. .
والأمر لا يخرج عن هذين الحالين . فإذا ذهب اللّه بنبيه فسيتولى هو الانتقام من مكذبيه . وإذا قدر له الحياة حتى يتحقق ما أنذرهم به ، فاللّه قادر على تحقيق النذير ، وهم ليسوا له بمعجزين . ومرد الأمر إلى مشيئة اللّه وقدرته في الحالين ، وهو صاحب الدعوة . وما الرسول إلا رسول .
« فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ . إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ »
. .
وأثبت على ما أنت فيه ، وسر في طريقك لا تحفل ما كان منهم وما يكون . سر في طريقك مطمئن القلب .
« إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ »
. . لا يلتوي بك ولا ينحرف ولا يحيد .
وهذه العقيدة متصلة بحقيقة الكون الكبرى ، متناسقة مع الناموس الكلي الذي يقوم عليه هذا الوجود . فهي