أكثر من الآيات المعجزة التي أيد اللّه بها رسوله الكريم ! أم لعله كان يقصد من إلقاء أسورة الذهب تتويجه بالملك ، إذ كانت هذه عادتهم ، فيكون الرسول ذا ملك وذا سلطان ؟
« أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ »
. .
وهو اعتراض آخر له بريق خادع كذلك من جانب آخر ، تؤخذ به الجماهير ، وترى أنه اعتراض وجيه ! وهو اعتراض مكرور ، ووجه به أكثر من رسول !
« فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ ، إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ »
. .
واستخفاف الطغاة للجماهير أمر لا غرابة فيه ؛ فهم يعزلون الجماهير أولا عن كل سبل المعرفة ، ويحجبون عنهم الحقائق حتى ينسوها ، ولا يعودوا يبحثون عنها ؛ ويلقون في روعهم ما يشاءون من المؤثرات حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثرات المصطنعة . ومن ثم يسهل استخفافهم بعد ذلك ، ويلين قيادهم ، فيذهبون بهم ذات اليمين وذات الشمال مطمئنين ! ولا يملك الطاغية أن يفعل بالجماهير هذه الفعلة إلا وهم فاسقون لا يستقيمون على طريق ، ولا يمسكون بحبل اللّه ، ولا يزنون بميزان الإيمان . فأما المؤمنون فيصعب خداعهم واستخفافهم واللعب بهم كالريشة في مهب الريح . ومن هنا يعلل القرآن استجابة الجماهير لفرعون فيقول :
« فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ . إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ »
. .
ثم انتهت مرحلة الابتلاء والإنذار والتبصير ؛ وعلم اللّه أن القوم لا يؤمنون ؛ وعمت الفتنة فأطاعت الجماهير فرعون الطاغية المتباهي في خيلاء ، وعشت عن الآيات البينات والنور ؛ فحقت كلمة اللّه وتحقق النذير :
« فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ ، فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ »
. .
يتحدث اللّه سبحانه عن نفسه في مقام الانتقام والتدمير ؛ إظهارا لغضبه ولجبروته في هذا المقام . فيقول :
« فَلَمَّا آسَفُونا »
. . أي أغضبونا أشد الغضب . .
« انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ »
. . يعني فرعون وملأه وجنده .
وهم الذين غرقوا على إثر موسى وقومه وجعلهم اللّه سلفا يتبعه كل خلف ظالم ؛
« وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ »
الذين يجيئون بعدهم ، ويعرفون قصتهم ، فيعتبرون .
وهكذا تلتقي هذه الحلقة من قصة موسى - عليه السّلام - بالحلقة المشابهة لها من قصة العرب في مواجهة رسولهم الكريم . فتثبت الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - والمؤمنين معه ؛ وتحذر المشركين المعترضين ، وتنذرهم مصيرا كمصير الأولين . .
وتلتقي الحقيقة في عرض القصة ، بالتناسق بين الحلقة المعروضة والحال القائمة والغاية من إيرادها في هذه الحال القائمة . وتصبح القصة بهذا أداة للتربية في المنهج الإلهي الحكيم .
ثم ينتقل السياق من هذه الحلقة في قصة موسى ، إلى حلقة من قصة عيسى ، بمناسبة جدل القوم حول عبادتهم للملائكة وعبادة بعض أهل الكتاب للمسيح . . وذلك في الدرس الأخير .