تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3153

مساهمون:

ص٣١٥٣
الأصول الكلية التي شرعها للناس ، لتبقى ميزانا يزن به البشر كل تشريع جزئي وكل تطبيق . بذلك يتوحد مصدر التشريع ، ويكون الحكم للّه وحده . وهو خير الحاكمين . وما عدا هذا النهج فهو خروج على شريعة اللّه ، وعلى دين اللّه ، وعلى ما وصى به نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا عليهم الصلاة والسّلام .
« وَلَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ »
. . فقد قال اللّه كلمة الفصل بإمهالهم إلى يوم القول الفصل . ولولاها لقضى اللّه بينهم ، فأخذ المخالفين لما شرعه اللّه ، المتبعين لشرع من عداه . لأخذهم بالجزاء العاجل . ولكنه أمهلهم ليوم الجزاء .
« وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ »
. . فهذا هو الذي ينتظرهم جزاء الظلم . وهل أظلم من المخالفة عن شرع اللّه إلى شرع من عداه ؟ ومن ثم يعرض هؤلاء الظالمين في مشهد من مشاهد القيامة . يعرضهم مشفقين خائفين من العذاب وكانوا من قبل لا يشفقون ، بل يستعجلون ويستهترون :
« تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ »
. . والتعبير العجيب يجعل إشفاقهم
« مِمَّا كَسَبُوا »
فكأنما هو غول مفزع ؛ وهو هو الذي كسبوه وعملوه بأيديهم وكانوا به فرحين ! ولكنهم اليوم يشفقون منه ويفزعون
« وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ »
. . وكأنه هو بذاته انقلب عذابا لا مخلص منه ، وهو واقع بهم ! وفي الصفحة الأخرى نجد المؤمنين الذين كانوا يشفقون من هذا اليوم ويخافون . نجدهم في أمن وعافية ورخاء :
« وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ ، لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ . ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ . ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ »
. . والتعبير كله رخاء يرسم ظلال الرخاء :
« فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ »
. .
« لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ »
بلا حدود ولا قيود .
« ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ »
.
« ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ »
فهو بشرى حاضرة ، مصداقا للبشرى السالفة . وظل البشرى هنا هو أنسب الظلال . وعلى مشهد هذا النعيم الرخاء الجميل الظليل يلقن الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - أن يقول لهم : إنه لا يطلب منهم أجرا على الهدى الذي ينتهي بهم إلى هذا النعيم ، وينأى بهم عن ذلك العذاب الأليم . إنما هي مودته لهم لقرابتهم منه ، وحسبه ذلك أجرا :
« قُلْ : لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً . إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى . وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً . إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ »
. . والمعنى الذي أشرت إليه ، وهو أنه لا يطلب منهم أجرا ، إنما تدفعه المودة للقربى - وقد كانت لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - قرابة بكل بطن من بطون قريش - ليحاول هدايتهم بما معه من الهدى ، ويحقق الخير لهم إرضاء لتلك المودة التي يحملها لهم ، وهذا أجره وكفى ! هذا المعنى هو الذي انقدح في نفسي وأنا أقرأ هذا التعبير القرآني في مواضعه التي جاء فيها . وهناك تفسير مروي عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - أثبته هنا لوروده في صحيح البخاري : قال البخاري حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة ، قال :