تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3154

مساهمون:

ص٣١٥٤
سمعت طاووسا يحدث عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - أنه سأل عن قوله تعالى :
« إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى »
فقال سعيد بن جبير : « قربى آل محمد . فقال ابن عباس : عجلت . إن النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - لم يكن بطن من بطون قريش إلا كان له فيهم قرابة . فقال : إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة » . ويكون المعنى على هذا : إلا أن تكفوا أذاكم مراعاة للقرابة . وتسمعوا وتلينوا لما أهديكم إليه . فيكون هذا هو الأجر الذي أطلبه منكم لا سواه . وتأويل ابن عباس - رضي اللّه عنهما - أقرب من تأويل سعيد بن جبير - رضي اللّه عنه - ولكنني ما أزال أحس أن ذلك المعنى أقرب وأندى . . واللّه أعلم بمراده منا . وعلى أية حال فهو يذكرهم - أمام مشهد الروضات والبشريات - أنه لا يسألهم على شيء من هذا أجرا . ودون هذا بمراحل يطلب عليه الأدلاء أجرا ضخما ! ولكنه فضل اللّه الذي لا يحاسب العباد حساب التجارة ، ولا حساب العدل ، ولكن حساب السماحة وحساب الفضل :
« وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً »
. . فليس هو مجرد عدم تناول الأجر . بل إنها الزيادة والفضل . . ثم هي بعد هذا كله المغفرة والشكر :
« إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ »
. . اللّه يغفر . ثم . . اللّه يشكر . . ويشكر من ؟ يشكر لعباده . وهو وهبهم التوفيق على الإحسان . ثم هو يزيد لهم في الحسنات ، ويغفر لهم السيئات . ويشكر لهم بعد هذا وذاك . . فيا للفيض الذي يعجز الإنسان عن متابعته . فضلا على شكره وتوفيته ! ثم يعود إلى الحديث عن تلك الحقيقة الأولى :
« أَمْ يَقُولُونَ : افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ؟ فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ، وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ ، وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ »
. هنا يأتي على الشبهة الأخيرة ، التي قد يعللون بها موقفهم من ذلك الوحي ، الذي تحدث عن مصدره وعن طبيعته وعن غايته في الجولات الماضية :
« أَمْ يَقُولُونَ : افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ؟ »
. . فهم من ثم لا يصدقونه ، لأنهم يزعمون أنه لم يوح إليه ، ولم يأته شيء من اللّه ؟ ولكن هذا قول مردود . فما كان اللّه ليدع أحدا يدعي أن اللّه أوحى إليه ، وهو لم يوح إليه شيئا ، وهو قادر على أن يختم على قلبه ، فلا ينطق بقرآن كهذا . وأن يكشف الباطل الذي جاء به ويمحوه . وأن يظهر الحق من ورائه ويثبته :
« فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ، وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ ، وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ »
وما كان ليخفى عليه ما يدور في خلد محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - حتى قبل أن يقوله :
« إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ »
. . فهي شبهة لا قوام لها . وزعم لا يقوم على أساس . ودعوى تخالف المعهود عن علم اللّه بالسرائر ، وعن قدرته