تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3150

مساهمون:

ص٣١٥٠
« فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ ، وَقُلْ : آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ . وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ . اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ . لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ . لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ . اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا ، وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ »
. . إنها القيادة الجديدة للبشرية جمعاء . القيادة الحازمة المستقيمة على نهج واضح ويقين ثابت . تدعو إلى اللّه على بصيرة . وتستقيم على أمر اللّه دون انحراف . وتنأى عن الأهواء المضطربة المتناوحة من هنا وهناك . القيادة التي تعلن وحدة الرسالة ووحدة الكتاب ووحدة النهج والطريق . والتي ترد الإيمان إلى أصله الثابت الواحد ، وترد البشرية كلها إلى ذلك الأصل الواحد :
« وَقُلْ : آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ »
. . ثم هو الاستعلاء والهيمنة بالحق والعدل .
« وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ »
. . فهي قيادة ذات سلطان ، تعلن العدل في الأرض بين الجميع . ( هذا والدعوة بعد في مكة محصورة بين شعابها مضطهدة هي وأصحابها . ولكن طبيعتها المهيمنة الشاملة تبدو واضحة ) . وتعلن الربوبية الواحدة :
« اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ »
. . وتعلن فردية التبعة :
« لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ »
. . وتعلن إنهاء الجدل بالقول الفصل :
« لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ »
. . وتكل الأمر كله إلى اللّه صاحب الأمر الأخير :
« اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ »
. . وتكشف هذه الآية الواحدة عن طبيعة هذه الرسالة الأخيرة ، في مقاطعها القصيرة الفاصلة على هذا النحو الجامع الحازم الدقيق . فهي رسالة جاءت لتمضي في طريقها لا تتأثر بأهواء البشر . وجاءت لتهيمن فتحقق العدالة في الأرض . وجاءت لتوحد الطريق إلى اللّه كما هو في حقيقته موحد على مدى الرسالات . . وبعد وضوح القضية على هذا النحو ، واستجابة العصبة المؤمنة للّه هذه الاستجابة ، يبدو جدل المجادلين في اللّه مستنكرا لا يستحق الالتفات ، وتبدو حجتهم باطلة فاشلة ليس لها وزن ولا حساب . فتنتهي هذه الفقرة بالفصل في أمرهم ، وتركهم لوعيد اللّه الشديد :
« وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ . مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ . حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ، وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ »
. . ومن تكون حجته باطلة مغلوبة عند ربه فلا حجة له ولا سلطان . ووراء الهزيمة والبطلان في الأرض ، الغضب والعذاب الشديد في الآخرة . وهو الجزاء المناسب على اللجاج بالباطل بعد استجابة القلوب الخالصة ؛ والجدل المغرض بعد وضوح الحق الصريح . ثم يبدأ جولة جديدة مع الحقيقة الأولى :
« اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ . وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ . يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها ، وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ ، أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ . اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ . مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها ، وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ »
. . فاللّه أنزل الكتاب بالحق وأنزل العدل ؛ وجعله حكما فيما يختلف فيه أصحاب العقائد السالفة ، وفيما تختلف فيه آراء الناس وأهواؤهم ؛ وأقام شرائعه على العدل في الحكم . العدل الدقيق كأنه الميزان توزن به القيم ، وتوزن به الحقوق ، وتوزن به الأعمال والتصرفات .
في ظلال القرآن — صفحة 3150 | سيد قطب