المناسب أن تبقى الأرض وحدها خاشعة ساكنة ، فاهتزت لتشارك العابدين المتحركين في المشهد حركتهم ، ولكي لا يبقى جزء من أجزاء المشهد ساكنا ، وكل الأجزاء تتحرك من حوله . وهذا لون من الدقة في تناسق الحركة المتخيلة يسمو على كل تقدير » إلخ . إلخ .
ونعود إلى النص القرآني فنجد أن التعقيب في نهاية الآية يشير إلى إحياء الموتى ، ويتخذ من إحياء الأرض نموذجا ودليلا :
« إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى ، إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
. .
ويتكرر في القرآن عرض مثل هذا المشهد واتخاذه نموذجا للإحياء في الآخرة ، ودليلا كذلك على القدرة .
ومشهد الحياة في الأرض قريب من كل قلب ، لأنه يلمس القلوب قبل أن يلمس العقول ، والحياة حين تنبض من بين الموات ، توحي بالقدرة المنشئة إيحاء خفيا ينبض في أعماق الشعور . والقرآن يخاطب الفطرة بلغتها من أقرب طريق .
وأمام مشهد هذه الآيات الكونية ذات الأثر الشعوري العميق يجيء التنديد والتهديد لمن يلحدون في هذه الآيات الظاهرة الباهرة ؛ فيكفرون بها ، أو يغالطون فيها :
« إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا . أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ ؟ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ . اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ »
.
ويبدأ التهديد ملفوفا ولكنه مخيف :
« لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا »
. . فهم مكشوفون لعلم اللّه . وهم مأخوذون بما يلحدون ، مهما غالطوا والتووا ، وحسبوا أنهم مفلتون من يد اللّه كما قد يفلتون بالمغالطة من حساب الناس .
ثم يصرح بالتهديد :
« أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ ؟ »
. . وهو تعريض بهم ، وبما ينتظرهم من الإلقاء في النار والخوف والفزع ، بالمقابلة إلى مجيء المؤمنين آمنين .
وتنتهي الآية بتهديد آخر ملفوف :
« اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ . إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ »
. . ويا خوف من يترك ليعمل فيلحد في آيات اللّه . واللّه بما يعمل بصير .
ويستطرد إلى الذين يكفرون بآيات اللّه القرآنية ، والقرآن كتاب عزيز قوي منيع الجانب ، لا يدخل عليه الباطل من قريب ولا من بعيد :
« إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ ، وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ، لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ . تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ . ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ، إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ . وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا : لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ! ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ؟ قُلْ : هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ . وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ، أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ »
.
والنص يتحدث عن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم ؛ ولا يذكر ما ذا هم ولا ما ذا سيقع لهم . فلا يذكر الخبر :
« إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ . . »
كأنما ليقال : إن فعلتهم لا يوجد وصف ينطبق عليها ويكافئها لشدة بشاعتها ! لذلك يترك النص خبر
« إِنَّ »
لا يأتي به ويمضي في وصف الذكر الذي كفروا به لتفظيع الفعلة وتبشيعها :