تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3128

مساهمون:

ص٣١٢٨
« وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا : لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ! ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ؟ »
. . فهم لا يصغون إليه عربيا ، وهم يخافون منه لأنه عربي يخاطب فطرة العرب بلسانهم . فيقولون : لا تسمعوا لهذا القرآن وألغوا فيه لعلكم تغلبون . ولو جعله اللّه قرآنا أعجميا لاعترضوا عليه أيضا ، وقالوا لولا جاء عربيا فصيحا مفصلا دقيقا ! ولو جعل بعضه أعجميا وبعضه عربيا لاعترضوا كذلك وقالوا أأعجمي وعربي ؟ ! فهو المراء والجدل والإلحاد . والحقيقة التي تخلص من وراء هذا الجدل حول الشكل ، هي أن هذا الكتاب هدى للمؤمنين وشفاء ، فقلوب المؤمنين هي التي تدرك طبيعته وحقيقته ، فتهتدي به وتشتفي . فأما الذين لا يؤمنون فقلوبهم مطموسة لا تخالطها بشاشة هذا الكتاب ، فهو وقر في آذانهم ، وعمى في قلوبهم . وهم لا يتبينون شيئا . لأنهم بعيدون جدا عن طبيعة هذا الكتاب وهواتفه :
« قُلْ : هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ ، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ، أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ »
. . ويجد الإنسان مصداق هذا القول في كل زمان وفي كل بيئة . فناس يفعل هذا القرآن في نفوسهم فينشئها إنشاء ، ويحييها إحياء ؛ ويصنع بها ومنها العظائم في ذاتها وفيما حولها . وناس يثقل هذا القرآن على آذانهم وعلى قلوبهم ، ولا يزيدهم إلا صمما وعمى . وما تغير القرآن . ولكن تغيرت القلوب . وصدق اللّه العظيم . ويشير إلى موسى وكتابه واختلاف قومه في هذا الكتاب . يشير إليه نموذجا للرسل الذين ورد ذكرهم من قبل إجمالا . وقد أجل اللّه حكمه في اختلافهم ، وسبقت كلمته أن يكون الفصل في هذا كله في يوم الفصل العظيم :
« وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ، وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ، وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ »
. . وكذلك سبقت كلمة ربك أن يدع الفصل في قضية الرسالة الأخيرة إلى ذلك اليوم الموعود . وأن يدع الناس يعملون ، ثم يجازون على ما يعملون :
« مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ، وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ »
. . لقد جاءت هذه الرسالة تعلن رشد البشرية ، وتضع على كاهلها عبء الاختيار ؛ وتعلن مبدأ التبعة الفردية . ولمن شاء أن يختار
« وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ »
« 1 » . . وبمناسبة الإشارة إلى الأجل المسمى ، وتقرير عدل اللّه فيه ، يقرر أن أمر الساعة وعلمها إلى اللّه وحده ، ويصور علم اللّه في بعض مجالاته صورة موحية تمس أعماق القلوب . وذلك في الطريق إلى عرض مشهد من مشاهد القيامة يسأل فيه المشركون ويجيبون :
« إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ، وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها ، وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ . وَيَوْمَ
هامش
( 1 ) إلى هنا ينتهي الجزء الرابع والعشرون . ولكننا آثرنا أن نتابع السورة إلى ختامها القريب .