تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3124

مساهمون:

ص٣١٢٤
هذا شوط جديد مع القلب البشري في مجال الدعوة . يبدأ بجولة مع آيات اللّه الكونية : الليل والنهار والشمس والقمر ، وفي المشركين من كان يسجد للشمس وللقمر مع اللّه . وهما من خلق اللّه . ويعقب على عرض هذه الآيات بأنهم إن استكبروا عن عبادة اللّه فهناك من هم أقرب منهم إلى اللّه يعبدونه . ثم هناك الأرض كلها في مقام العبادة وهي تتلقى من ربها الحياة ، كما تلقوها فلم يتحركوا بها إلى اللّه . إنما هم يلحدون في آيات اللّه الكونية ، ويجادلون في آياته القرآنية ؛ وهو قرآن عربي غير مشوب بأعجمية . وينتقل بهم إلى مشهد من مشاهد القيامة . ثم يعرض عليهم أنفسهم عارية بكل ما فيها من ضعف وتقلب ونسيان ، وبكل ما فيها من حرص على الخير وجزع من الضر . ثم هم لا يقون أنفسهم من شر ما يصيبها عند اللّه . وتنتهي السورة بوعد اللّه سبحانه أن يكشف للناس عن آياته في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ، ويذهب ما في قلوبهم من ريب وشك . .
« وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ . لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ . وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ . إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ »
. . وهذه الآيات معروضة للأنظار ، يراها العالم والجاهل . ولها في القلب البشري روعة مباشرة . ولو لم يعلم الإنسان شيئا عن حقيقتها العلمية . فبينها وبين الكائن البشري صلة أعمق من المعرفة العلمية . بينها وبينه هذا الاتصال في النشأة ، وفي الفطرة ، وفي التكوين . فهو منها وهي منه . تكوينه تكوينها ، ومادته مادتها ، وفطرته فطرتها ، وناموسه ناموسها ، وإلهه إلهها . . فهو من ثم يستقبلها بحسه العميق في هزة وإدراك مباشر لمنطقها العريق ! لهذا يكتفي القرآن غالبا بتوجيه القلب إليها ، وإيقاظه من غفلته عنها ، هذه الغفلة التي ترد عليه من طول الألفة تارة ، ومن تراكم الحواجز والموانع عليه تارة . فيجلوها القرآن عنه ، لينتفض جديدا حيا يقظا يعاطف هذا الكون الصديق ، ويتجاوب معه بالمعرفة القديمة العميقة الجذور . وصورة من صور الانحراف تلك التي تشير إليها الآية هنا . فقد كان قوم يبالغون في الشعور بالشمس والقمر شعورا منحرفا ضالا فيعبدونهما باسم التقرب إلى اللّه بعبادة أبهى خلائقه ! فجاء القرآن ليردهم عن هذا الانحراف ؛ ويزيل الغبش عن عقيدتهم المدخولة . ويقول لهم : إن كنتم تعبدون اللّه حقا فلا تسجدوا للشمس والقمر . .
« وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ »
فالخالق هو وحده الذي يتوجه إليه المخلوقون أجمعين . والشمس والقمر مثلكم يتوجهون إلى خالقهما فتوجهوا معهم إلى الخالق الواحد الذي يستحق أن تعبدوه . ويعيد الضمير عليهما مؤنثا مجموعا :
« خَلَقَهُنَّ »
باعتبار جنسهما وأخواتهما من الكواكب والنجوم ؛ ويتحدث عنهن بضمير المؤنث العاقل ليخلع عليهن الحياة والعقل ، ويصورهن شخوصا ذات أعيان ! فإن استكبروا بعد عرض هذه الآيات ، وبعد هذا البيان ، فلن يقدم هذا أو يؤخر ؛ ولن يزيد هذا أو ينقص . فغيرهم يعبد غير مستكبر :
« فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ ، وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ »
. . وأقرب ما يرد على القلب عند ذكر
« فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ »
الملائكة . ولكن قد يكون هنالك غير الملائكة من عباد اللّه المقربين ؛ وهل نعلم نحن شيئا إلا اليسير الضئيل ؟ ! هؤلاء . الذين عند ربك . وهم أرفع وأعلى . وهم أكرم وأمثل . لا يستكبرون كما يستكبر أولئك المنحرفون