« قُلْ : إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ، يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ؛ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ، وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ »
. .
يا لعظمة الصبر والاحتمال والإيمان والتسليم ! إنه لا يدرك ما في الصبر على هذه الحال ، والتبرؤ من كل حول وقوة في مثل هذا الموقف ، واحتمال الإعراض والتكذيب في تبجح واستهتار ، دون استعجال الآية التي تردع المعرضين المكذبين المستهترين . . إنه لا يدرك ما في الصبر على هذا الحال من مشقة ، ومن عظمة في احتمال هذه المشقة ، إلا من يكابد طرفا من هذا الموقف في واقع الحياة . ثم يمضي في الطريق ! ومن أجل هذا الموقف وأمثاله كان التوجيه إلى الصبر كثير الورود للأنبياء والرسل . فطريق الدعوة هو طريق الصبر . الصبر الطويل . وأول ما يستوجب الصبر تلك الرغبة الملحة في انتظار الدعوة ، ثم إبطاء النصر . بل إبطاء أماراته . ثم ضرورة التسليم لهذا والرضى به والقبول ! إن أقصى ما كان الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - يؤمر به في مقابلة التبجح والاستهتار أن يقول :
« وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ »
. .
وتخصيص الزكاة في هذا الموضع لا بد كانت له مناسبة حاضرة ، لم نقف عليها ، فهذه الآية مكية . والزكاة لم تفرض إلا في السنة الثانية من الهجرة في المدينة . وإن كان أصل الزكاة كان معروفا في مكة . والذي جد في المدينة هو بيان أنصبتها في المال ، وتحصيلها كفريضة معينة . أما في مكة فقد كانت أمرا عاما يتطوع به المتطوعون ، غير محدود ، وأداؤه موكول إلى الضمير . . أما الكفر بالآخرة فهو عين الكفر الذي يستحق الويل والثبور .
وقد ذكر بعضهم أن المقصود بالزكاة هنا الإيمان والطهارة من الشرك . وهو محتمل كذلك في مثل هذه الظروف .
ثم يمضي الداعية يكشف لهم عن شناعة الجرم الذي يرتكبونه بالشرك والكفر . يمضي بهم في المجال الكوني العريض . مجال السماوات والأرض ، والكون الذي هم بالقياس إليه شيء ضئيل هزيل . يمضي بهم في هذا المجال ليكشف لهم عن سلطان اللّه الذي يكفرون به في فطرة هذا الكون الذي هم جزء منه . ثم ليخرجهم من الزاوية الضيقة الصغيرة التي ينظرون منها إلى هذه الدعوة ، حيث يرون أنفسهم وذواتهم كبيرة كبيرة ؛ ويشغلهم النظر إليها وإلى اختيار محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - من دونهم . والحرص على مكانتهم ومصالحهم . .
إلى آخر هذه الاعتبارات الصغيرة . . يشغلهم هذا عن النظر إلى الحقيقة الضخمة التي جاءهم بها محمد ، وفصلها هذا القرآن . الحقيقة التي تتصل بالسماوات والأرض ؛ وتتصل بالبشرية كلها في جميع أعصارها ؛ وتتصل بالحق الكبير الذي يتجاوز زمانهم ومكانهم وشخوصهم ؛ وتتصل بالكون كله في الصميم :
« قُلْ : أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ، وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ؟ ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ . وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها ، وَبارَكَ فِيها ، وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ . ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ ، فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ : ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً . قالَتا : أَتَيْنا طائِعِينَ . فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ ، وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها ، وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً . ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ »
. .
قل لهم : إنكم إذ تكفرون . إذ تلقون بهذه الكلمة الكبيرة في استهتار . إنما تأتون أمرا عظيما ، مستنكرا قبيحا ، إنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض وجعل فيها رواسي من فوقها . وبارك فيها . وقدر فيها أقواتها .