تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3108

مساهمون:

ص٣١٠٨
وما من شك أن تنزيل هذا الكتاب جاء رحمة للعالمين . رحمة لمن آمنوا به واتبعوه ورحمة كذلك لغيرهم . لا من الناس وحدهم ، ولكن للأحياء جميعا . فقد سن منهجا ورسم خطة تقوم على الخير للجميع . وأثر في حياة البشرية ، وتصوراتها ، ومدركاتها ، وخط سيرها ؛ ولم يقتصر في هذا على المؤمنين به إنما كان تأثيره عالميا ومطردا منذ أن جاء إلى العالمين . والذين يتتبعون التاريخ البشري بإنصاف ودقة ؛ ويتتبعونه في معناه الإنساني العام ، الشامل لجميع أوجه النشاط الإنساني ، يدركون هذه الحقيقة ، ويطمئنون إليها . وكثيرون منهم قد سجلوا هذا واعترفوا به في وضوح .
« كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ »
. . والتفصيل المحكم ، وفق الأغراض والأهداف ، ووفق أنواع الطبائع والعقول ، ووفق البيئات والعصور ، ووفق الحالات النفسية وحاجاتها المتنوعة . . التفصيل المحكم وفق هذه الاعتبارات سمة واضحة في هذا الكتاب . وقد فصلت هذه الآيات وفق تلك الاعتبارات . فصلت قرآنا عربيا
« لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ »
. . لديهم الاستعداد للعلم والمعرفة والتمييز . وقام هذا القرآن يؤدي وظيفته :
« بَشِيراً وَنَذِيراً »
. . يبشر المؤمنين العاملين ، وينذر المكذبين المسيئين ، ويبين أسباب البشرى وأسباب الإنذار ، بأسلوبه العربي المبين . لقوم لغتهم العربية . ولكن أكثرهم مع هذا لم يقبل ويستجب :
« فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ »
وقد كانوا يعرضون فلا يسمعون فعلا ، ويتحامون أن يعرضوا قلوبهم لتأثير هذا القرآن القاهر . وكانوا يحضون الجماهير على عدم السماع كما سيجيء قولهم :
« لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ »
. . وأحيانا كانوا يسمعون ، وكأنهم لا يسمعون ، لأنهم يقاومون أثر هذا القرآن في نفوسهم ؛ فكأنهم صم لا يسمعون !
« وَقالُوا : قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ ، وَفِي آذانِنا وَقْرٌ ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ ، فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ »
. . قالوا هذا إمعانا في العناد ، وتيئيسا للرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - ليكف عن دعوتهم ، لما كانوا يجدونه في قلوبهم من وقع كلماته ، على حين يريدون عامدين ألا يكونوا مؤمنين ! قالوا : قلوبنا في أغطية فلا تصل إليها كلماتك . وفي أذاننا صمم فلا تسمع دعوتك . ومن بيننا وبينك حجاب ، فلا اتصال بيننا وبينك . فدعنا واعمل لنفسك فإننا عاملون لأنفسنا . أو أنهم قالوا غير مبادلين : نحن لا نبالي قولك وفعلك ، وإنذارك ووعيدك . فإذا شئت فامض في طريقك فإنا ماضون في طريقنا . لا نسمع لك وافعل ما أنت فاعل . وهات وعيدك الذي تهددنا به فإننا غير مبالين . هذا نموذج مما كان يلقاه صاحب الدعوة الأول - صلّى اللّه عليه وسلّم - ثم يمضي في طريقه يدعو ويدعو ، لا يكف عن الدعوة ، ولا ييأس من التيئيس ، ولا يستبطئ وعد اللّه له ولا وعيده للمكذبين . كان يمضي مأمورا أن يعلن لهم أن تحقق وعيد اللّه ليس بيده ؛ فما هو إلا بشر يتلقى الوحي ، فيبلغ به ، ويدعو الناس إلى اللّه الواحد . وإلى الاستقامة على الطريق ، وينذر المشركين كما أمر أن يفعل . والأمر بعد ذلك للّه لا يملك منه شيئا ، فهو ليس إلا بشرا مأمورا :