تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3112

مساهمون:

ص٣١١٢
« وتسأل عن هذه الأصول السابقة التي منها اشتقت تلك الصخور الراسبة ، على اختلافها ، فتعلم أنها الصخور النارية . بدأت الأرض عندما انجمد سطحها من بعد انصهار ، في قديم الأزل ، ولا شيء على هذا السطح المنجمد غير الصخر الناري . ثم جاء الماء ، وجاءت البحار ، وتفاعل الصخر الناري والماء . وشركهما الهواء . شركهما غازات متفاعلة ، وشركهما رياحا عاصفة ، وشركتهما الشمس نارا ونورا . وتفاعلت كل هذه العوامل جميعا . وفقا لما أودع فيها من طبائع . فغيرت من صخر ناري صلد غير نافع ، إلى صخر نافع . صخر ينفع في بناء المساكن ، وصخر ينفع في استخراج المعادن . وأهم من هذا ، وأخطر من هذا ، أنها استخرجت من هذا الصخر الناري الصلد ، الذي لا ينفع لحياة تقوم عليه ، استخرجت تربة ، رسبت على سطح الأرض ، مهدت لقدوم الأحياء والخلائق . « إن الجرانيت لا ينفع لحرث أو زرع أو سقيا ، ولكن تنفع تربة هشة لينة خرجت منه ومن أشباه له . وبظهور هذه التربة ظهر النبات ، وبظهور النبات ظهر الحيوان . وتمهدت الأرض لقيام رأس الخلائق على هذه الأرض . ذلك الإنسان . . » « 1 » هذه الرحلة الطويلة كما يقدرها العلم الحديث ، قد تساعدنا على فهم معنى الأيام في خلق الأرض وجعل الرواسي فوقها ، والمباركة فيها ، وتقدير أقواتها في أربعة أيام . . من أيام اللّه . . التي لا نعرف ما هي ؟ ما طولها ؟ ولكننا نعرف أنها غير أيام هذه الأرض حتما . . ونقف لحظة أمام كل فقرة من النص القرآني قبل أن نغادر الأرض إلى السماء !
« وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها »
. . وكثيرا ما يرد تسمية الجبال
« رَواسِيَ »
وفي بعض المواضع يعلل وجود هذه الرواسي
« أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ » *
أي إنها هي راسية ، وهي ترسي الأرض ، وتحفظ توازنها فلا تميد . . ولقد غير زمان كان الناس يحسبون أن أرضهم هذه ثابتة راسخة على قواعد متينة ! ثم جاء زمان يقال لهم فيه الآن : إن أرضكم هذه إن هي إلا كرة صغيرة سابحة في فضاء مطلق ، لا تستند إلى شيء . . ولعلهم يفزعون حين يقال لهم هذا الكلام أول مرة أو لعل منهم من ينظر بوجل عن يمينه وعن شماله خيفة أن تتأرجح به هذه الأرض أو تسقط في أعماق الفضاء ! فليطمئن . فإن يد اللّه تمسكها أن تزول هي والسماء . ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده ! وليطمئن فإن النواميس التي تحكم هذا الكون متينة من صنع القوي العزيز ! ونعود إلى الجبال فنجد القرآن يقول إنها
« رَواسِيَ »
وإنها كذلك ترسي الأرض فلا تميد . ولعلها - كما قلنا في موضع آخر من هذه الظلال - تحفظ التناسق بين القيعان في المحيطات والمرتفعات في الأرض فتتوازن فلا تميد . وهذا عالم يقول : « إن كل حدث يحدث في الأرض ، في سطحها أو فيما دون سطحها ، يكون من أثره انتقال مادة من مكان إلى مكان يؤثر في سرعة دورانها . فليس المد والجزر هو العامل الوحيد في ذلك . ( أي في بطء سرعة الأرض كما قال قبل هذه الفقرة ) حتى ما تنقله الأنهار من مائها من ناحية في الأرض إلى ناحية يؤثر في سرعة الدوران . وما ينتقل من رياح يؤثر في سرعة الدوران . وسقوط في قاع البحار ، أو بروز في سطح الأرض
هامش
( 1 ) كتاب « مع اللّه في السماء » . .
في ظلال القرآن — صفحة 3112 | سيد قطب