تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3089

مساهمون:

ص٣٠٨٩
من التسليم بالحق وهم أصغر وأضأل من هذا الكبر الذي يحيك في الصدور . ومن ثم يجيء التنبيه إلى عظمة هذا الكون الذي خلقه اللّه ، وصغر الناس جميعا بالقياس إلى السماوات والأرض . ويمضي الدرس يعرض بعض الآيات الكونية . وفضل اللّه في تسخير بعضها للناس وهم أصغر منها وأضأل . ويشير إلى فضل اللّه على الناس في ذوات أنفسهم . وهذه وتلك تشهد بوحدانية المبدع الذي يشركون به . ويوجه الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - إلى الجهر بكلمة التوحيد والإعراض عما يعبدون من دون اللّه . وينتهي الشوط بمشهد عنيف من مشاهد القيامة يسألون فيه عما يشركون سؤال التبكيت والترذيل . ويختم كما ختم الشوط الماضي . بتوجيه النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - إلى الصبر سواء أبقاه اللّه ليشهد بعض ما وعدهم ، أم توفاه إليه قبل مجيء وعد اللّه . فالأمر للّه . وهم إليه راجعون على كل حال .
« إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ ، إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ . فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ . لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ ، قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ . إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ . وَقالَ رَبُّكُمُ : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ »
. . إن هذا المخلوق الإنساني لينسى نفسه في أحيان كثيرة ، ينسى أنه كائن صغير ضعيف ، يستمد القوة لا من ذاته ، ولكن من اتصاله بمصدر القوة الأول . من اللّه . فيقطع اتصاله هذا ثم يروح ينتفخ ، ويورم ، ويتشامخ ، ويتعالى . يحيك في صدره الكبر . يستمده من الشيطان الذي هلك بهذا الكبر . ثم سلط على الإنسان فأتاه من قبله ! وإنه ليجادل في آيات اللّه ويكابر . وهي ظاهرة ناطقة معبرة للفطرة بلسان الفطرة . وهو يزعم لنفسه وللناس أنه إنما يناقش لأنه لم يقتنع ، ويجادل لأنه غير مستيقن . واللّه العليم بعباده ، السميع البصير المطلع على السرائر ، يقرر أنه الكبر . والكبر وحده . هو الذي يحيك في الصدر . وهو الذي يدعو صاحبه إلى الجدال فيما لا جدال فيه . الكبر والتطاول إلى ما هو أكبر من حقيقته . ومحاولة أخذ مكان ليس له ، ولا تؤهله له حقيقته . وليست له حجة يجادل بها ، ولا برهان يصدع به . إنما هو ذلك الكبر وحده :
« إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ ، إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ »
. . ولو أدرك الإنسان حقيقته وحقيقة هذا الوجود . ولو عرف دوره فأتقنه ولم يحاول أن يتجاوزه . ولو اطمأن إلى أنه كائن مما لا يحصى عدده من كائنات مسخرة بأمر خالق الوجود ، وفق تقديره الذي لا يعلمه إلا هو ، وأن دوره مقدر بحسب حقيقته في كيان هذا الوجود . . لو أدرك هذا كله لاطمأن واستراح ، ولتطأمن كذلك وتواضع ، وعاش في سلام مع نفسه ومع الكون حوله . وفي استسلام للّه وإسلام .
« فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ »
. . والاستعاذة باللّه في مواجهة الكبر توحي باستبشاعه واستفظاعه . فالإنسان إنما يستعيذ باللّه من الشيء الفظيع القبيح ، الذي يتوقع منه الشر والأذى . . وفي الكبر هذا كله . وهو يتعب صاحبه ويتعب الناس من حوله ؛ وهو يؤذي الصدر الذي يحيك فيه ويؤذي صدور الآخرين . فهو شر يستحق الاستعاذة باللّه منه . .
« إِنَّهُ هُوَ