تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2897

مساهمون:

ص٢٨٩٧
يحوي هذا الشوط صورا من الشكر والبطر ؛ وصورا من تسخير اللّه لمن يشاء من عباده قوى وخلقا لا تسخر عادة للبشر . ولكن قدرة اللّه ومشيئته لا يقيدهما مألوف البشر . وتتكشف من خلال هذه الصور وتلك حقائق عن الشياطين الذين كان يعبدهم بعض المشركين ، أو يطلبون عندهم علم الغيب وهم عن الغيب محجوبون . وعن أسباب الغواية التي يتسلط بها الشيطان على الإنسان ، وما له عليه من سلطان إلا ما يعطيه من نفسه باختياره . وعن تدبير اللّه في كشف ما هو مكنون من عمل الناس وبروزه في صورة واقعة لينالوا عليه الجزاء في الآخرة . وبذكر الآخرة ينتهي هذا الشوط كما انتهى الشوط الأول في السورة . .
« وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا . يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ . وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ ، وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ، وَاعْمَلُوا صالِحاً . إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ »
. . وداود عبد منيب ، كالذي ختم بذكره الشوط الأول :
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ »
. . والسياق يعقب بقصته بعد تلك الإشارة ؛ ويقدم لها بذكر ما آتاه اللّه له من الفضل . ثم يبين هذا الفضل :
« يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ »
. . وتذكر الروايا أن داود عليه السّلام أوتي صوتا جميلا خارقا في الجمال ؛ كان يرتل به مزاميره ، وهي تسابيح دينية ، ورد منها في كتاب « العهد القديم » ما اللّه أعلم بصحته . وفي الصحيح أن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - سمع صوت أبي موسى الأشعري - رضي اللّه عنه - يقرأ من الليل فوقف فاستمع لقراءته . ثم قال - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « لقد أوتي هذا مزمارا من زمامير آل داود » . والآية تصور من فضل اللّه على داود - عليه السّلام - أنه قد بلغ من الشفافية والتجرد في تسابيحه أن انزاحت الحجب بينه وبين الكائنات ؛ فاتصلت حقيقتها بحقيقته ، في تسبيح بارئها وبارئه ؛ ورجّعت معه الجبال والطير ، إذ لم يعد بين وجوده ووجودها فاصل ولا حاجز ، حين اتصلت كلها باللّه صلة واحدة مباشرة ؛ تنزاح معها الفوارق بين نوع من خلق اللّه ونوع ، وبين كائن من خلق اللّه وكائن ؛ وترتد كلها إلى حقيقتها اللدنية الواحدة ، التي كانت تغشى عليها الفواصل والفوارق ؛ فإذا هي تتجاوب في تسبيحها للخالق ، وتتلاقى في نعمة واحدة ، وهي درجة من الإشراق والصفاء والتجرد لا يبلغها أحد إلا بفضل من اللّه ، يزيح عنه حجاب كيانه المادي ، ويرده إلى كينونته اللدنية التي يلتقي فيها بهذا الوجود ، وكل ما فيه وكل من فيه بلا حواجز ولا سدود . وحين انطلق صوت داود - عليه السّلام - يرتل مزاميره ويمجد خالقه ، رجّعت معه الجبال والطير ، وتجاوب الكون بتلك الترانيم السارية في كيانه الواحد ، المتجهة إلى بارئه الواحد . . وإنها للحظات عجيبة لا يتذوقها إلا من عنده بها خبر ، ومن جرب نوعها ولو في لحظة من حياته !
« وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ »
. وهو طرف آخر من فضل اللّه عليه . وفي ظل هذا السياق يبدو أن الأمر كان خارقة ليست من مألوف البشر . فلم يكن الأمر أمر تسخين الحديد حتى يلين ويصبح قابلا للطرق ، إنما كان - واللّه أعلم - معجزة يلين بها الحديد من غير وسيلة اللين المعهودة . وإن كان مجرد الهداية لإلانة الحديد بالتسخين يعد فضلا من اللّه يذكر . ولكننا إنما نتأثر جو السياق وظلاله وهو جو معجزات ، وهي ظلال خوارق خارجة على المألوف .
« أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ »
.