تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2892

مساهمون:

ص٢٨٩٢
كم من شيء يلج في الأرض ؟ كم من حبة تختبئ أو تخبأ في جنبات هذه الأرض ؟ كم من دودة ومن حشرة ومن هامة ومن زاحفة تلج في الأرض في أقطارها المترامية ؟ كم من قطرة ماء ومن ذرة غاز ، ومن إشعاع كهرباء تندس في الأرض في أرجائها الفسيحة ؟ وكم وكم مما يلج في الأرض وعين اللّه عليه ساهرة لا تنام ؟ وكم يخرج منها ؟ كم من نبتة تنبثق ؟ وكم من نبع يفور ؟ وكم من بر كان يتفجر ؟ وكم من غاز يتصاعد ؟ وكم من مستور ينكشف ؟ وكم من حشرة تخرج من بيتها المستور ؟ وكم وكم مما يرى ومما لا يرى ، ومما يعلمه البشر ومما يجهلونه وهو كثير ؟ وكم مما ينزل من السماء ؟ كم من نقطة مطر ؟ وكم من شهاب ثاقب ؟ وكم من شعاع محرق ، وكم من شعاع منير ؟ وكم من قضاء نافذ ومن قدر مقدور ؟ وكم من رحمة تشمل الوجود وتخص بعض العبيد . وكم من رزق يبسطه اللّه لمن يشاء من عباده ويقدر . . وكم وكم مما لا يحصيه إلا اللّه . وكم مما يعرج فيها ؟ كم من نفس صاعد من نبات أو حيوان أو إنسان أو خلق آخر مما لا يعرفه الإنسان ؟ وكم من دعوة إلى اللّه معلنة أو مستسرة لم يسمعها إلا اللّه في علاه . وكم من روح من أرواح الخلائق التي نعلمها أو نجهلها متوفاة . وكم من ملك يعرج بأمر من روح اللّه . وكم من روح يرف في هذا الملكوت لا يعلمه إلا اللّه . ثم كم من قطرة بخار صاعدة من بحر ، ومن ذرة غاز صاعدة من جسم ؟ وكم وكم مما لا يعلمه سواه ؟ ! كم في لحظة واحدة ؟ وأين يذهب علم البشر وإحصاءهم لما في اللحظة الواحدة ولو قضوا الأعمار الطوال في العد والإحصاء ؟ وعلم اللّه الشامل الهائل اللطيف العميق يحيط بهذا كله في كل مكان وفي كل زمان . . وكل قلب وما فيه من نوايا وخواطر وما له من حركات وسكنات تحت عين اللّه ، وهو مع هذا يستر ويغفر . .
« وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ »
. . وإن آية واحدة من القرآن كهذه الآية لمما يوحي بأن هذا القرآن ليس من قول البشر . فمثل هذا الخاطر الكوني لا يخطر بطبيعته على قلب بشر ؛ ومثل هذا التصور الكوني لا دافع إليه من طبيعة تصور البشر ، ومثل هذه الإحاطة باللمسة الواحدة تتجلى فيها صنعه اللّه بارئ هذا الوجود ! التي لا تشبهها صنعة العبيد ! وبعد تقرير تلك الحقيقة في تلك الصورة الرائعة الواسعة المدى الفسيحة المجال يحكي إنكار الذين كفروا بمجيء الساعة ؛ وهم القاصرون الذين لا يعلمون ما ذا يأتيهم به الغد ؛ واللّه هو العليم بالغيب ؛ الذي لا يند عن علمه شيء في السماء ولا في الأرض ؛ والساعة لا بد منها ليلاقي المحسن والمسئ جزاء ما قدما في هذه الأرض :
« وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا : لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ : قُلْ : بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ، عالِمِ الْغَيْبِ ، لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ ، وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ . لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ . وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ »
. . وإنكار الذين كفروا للآخرة ناشئ من عدم إدراكهم لحكمة اللّه وتقديره . فحكمة اللّه لا تترك الناس سدى ، يحسن منهم من يحسن ويسيء منهم من يسيء ؛ ثم لا يلقى المحسن جزاء إحسانه ، ولا يلقى المسئ جزاء إساءته . وقد أخبر اللّه على لسان رسله : أنه يستبقي الجزاء كله أو بعضه للآخرة . فكل من يدرك حكمة اللّه في خلقه يدرك أن الآخرة ضرورية لتحقيق وعد اللّه وخبره . . ولكن الذين كفروا محجوبون عن تلك الحكمة .