تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ . حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا : ما ذا قالَ رَبُّكُمْ ؟ قالُوا : الْحَقَّ . وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ »
. .
أو يواجههم بالملائكة في ساحة الحشر حيث لا مجال للمواربة والمجادلة :
« وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ : أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ . .
إلخ » .
والمكذبون لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - الذين يتهمونه بالافتراء أو أن به جنة يقفهم أمام فطرتهم ، وأمام منطق قلوبهم بعيدا عن الغواشي والمؤثرات المصطنعة :
« قُلْ : إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ . أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا . ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ . إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ »
. .
وهكذا تطوف السورة بالقلب البشري في تلك المجالات المتنوعة ، وتواجهه بتلك المؤثرات الموحية الموقظة .
حتى تنتهي بمشهد عنيف أخاذ من مشاهد القيامة كما أسلفنا . .
ويجري سياق السورة في عرض موضوعاتها في تلك المجالات وتحت تلك المؤثرات في جولات قصيرة متلاحقة متماسكة ؛ يمكن تقسيمها إلى خمسة أشواط ؛ لتيسير عرضها وشرحها . وإلا فإنه ليس بينها فواصل تحددها تحديدا دقيقا . . وهذا هو طابع السورة الذي يميزها . .
تبدأ السورة بالحمد للّه ، المالك لما في السماوات والأرض المحمود في الآخرة ، وهو الحكيم الخبير . وتقرر علمه الشامل الدقيق لما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها . وتحكي إنكار الذين كفروا لمجيء الساعة ورد اللّه عليهم بتوكيد مجيئها ، وعلم اللّه الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر . ليتم جزاء المؤمنين وجزاء الذين يسعون في آيات اللّه معاجزين ، عن علم دقيق . وتثبت رأي أولي العلم الحقيقي الذين يشهدون أن ما أنزل اللّه لنبيه هو الحق . وتحكي عجب الذين كفروا من قضية البعث ، وترد عليهم بأنهم في العذاب والضلال البعيد ؛ وتهددهم بخسف الأرض من تحتهم أو إسقاط السماء كسفا عليهم . .
وبذلك ينتهي الشوط الأول .
فأما الشوط الثاني فيتناول طرفا من قصة آل داود الشاكرين للّه على نعمته ، بتسخير قوى كثيرة لداود وسليمان بإذن اللّه . غير متبطرين ولا مستكبرين ، ومن هذه القوى المسخرة الجن الذين كان يعبدهم بعض المشركين ، ويستفتونهم في أمر الغيب . وهم لا يعلمون الغيب . وقد ظلوا يعملون لسليمان عملا شاقا مهينا بعد موته وهم لا يعلمون . . وفي مقابل قصة الشكر تجيء قصة البطر . قصة سبأ . وما كانوا فيه من نعيم لم يشكروه :
« فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ »
. . وذلك أنهم اتبعوا الشيطان ، وما كان له عليهم من سلطان ، لولا أنهم أعطوه قيادهم مختارين ! ويبدأ الشوط الثالث بتحدي المشركين أن يدعوا الذين يزعمونهم آلهة من دون اللّه . وهم
« لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ »
. . وهم لا يملكون لهم شفاعة عند اللّه - ولو كانوا من الملائكة - فالملائكة يتلقون أمر اللّه بالخشوع الراجف ؛ ولا يتحدثون حتى يزول عنهم الفزع والارتجاف العميق . . ويسألهم عمن يرزقهم من السماوات والأرض . واللّه مالك السماوات والأرض ، وهو الذي يرزقهم بلا شريك . . ثم يفوض أمره وأمرهم إلى اللّه ، وهو الذي يفصل فيما هم مختلفون . . ويختم هذا الشوط بالتحدي كما بدأه ، أن يروه الذين يلحقونهم باللّه شركاء .
« كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
. .