تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2891

مساهمون:

ص٢٨٩١
والشوط الرابع والشوط الخامس يعالجان معا قضية الوحي والرسالة ، وموقفهم منها ، وموقف المترفين من كل دعوة ، واعتزازهم بأموالهم وأولادهم ؛ ويقرران القيم الحقيقية التي يكون عليها الحساب والجزاء ، وهي قيم الإيمان والعمل الصالح لا الأموال والأولاد . ويعرضان مصائر المؤمنين والمكذبين في عدة مشاهد متنوعة من مشاهد القيامة ، يتبرأ فيها التابعون من المتبوعين . كما يتبرأ فيها الملائكة من عبادة الضالين المشركين . . ويدعوهم بين هذه المشاهد إلى أن يرجعوا إلى فطرتهم يستلهمونها مجردة عن الهوى وعن الضجيج في أمر هذا الرسول الذي يندفعون في تكذيبه بلا دليل . وهو لا يطلب إليهم أجرا على الهدى ، وليس بكاذب ولا مجنون . . ويختم كل من الشوطين بمشهد من مشاهد القيامة . وتنتهي السورة بإيقاعات قصيرة قوية :
« قُلْ : إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ . قُلْ : جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ . قُلْ : إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ »
. . وتختم بمشهد من مشاهد القيامة قصير الخطى قوي عنيف . والآن نأخذ بعد هذا العرض الإجمالي في التفصيل . .
« الْحَمْدُ لِلَّهِ ، الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ ، وَما فِي الْأَرْضِ ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ . يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ ، وَما يَخْرُجُ مِنْها ، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ ، وَما يَعْرُجُ فِيها ، وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ »
. . ابتداء السورة التي تستعرض إشراك المشركين باللّه ، وتكذيبهم لرسوله ، وشكهم في الآخرة ، واستبعادهم للبعث والنشور . ابتداء بالحمد للّه . واللّه محمود لذاته - ولو لم يقم بحمده أحد من هؤلاء البشر - وهو محمود في هذا الوجود الذي يسبح بحمده ، ومحمود من شتى الخلائق ولو شذ البشر عن سائر خلائق اللّه . ومع الحمد صفة الملك لما في السماوات وما في الأرض ؛ فليس لأحد معه شيء ، وما لأحد في السماوات والأرض من شرك ، فله - سبحانه - كل شيء فيهما . . وهذه هي القضية الأولى في العقيدة . قضية التوحيد . والمالك لكل شيء هو اللّه الذي لا مالك لشيء سواه في هذا الكون العريض .
« وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ »
. . الحمد الذاتي . والحمد المرتفع من عباده . حتى ممن كانوا يجحدونه في الدنيا ، أو يشركون معه غيره عن ضلالة ، تتكشف في الآخرة ، فيتمحض له الحمد والثناء .
« وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ »
. . الحكيم الذي يفعل كل ما يفعل بحكمة ؛ ويصرف الدنيا والآخرة بحكمة ؛ ويدبر أمر الوجود كله بحكمة . . الخبير الذي يعلم بكل شيء ، وبكل أمر ، وبكل تدبير علما كاملا شاملا عميقا يحيط بالأمور . ثم يكشف صفحة من صحائف علم اللّه ، مجالها الأرض والسماء :
« يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ ، وَما يَخْرُجُ مِنْها ، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ ، وَما يَعْرُجُ فِيها »
. . ويقف الإنسان أمام هذه الصفحة المعروضة في كلمات قليلة ، فإذا هو أمام حشد هائل عجيب من الأشياء ، والحركات ، والأحجام ، والأشكال ، والصور ، والمعاني ، والهيئات ، لا يصمد لها الخيال ! ولو أن أهل الأرض جميعا وقفوا حياتهم كلها يتتبعون ويحصون ما يقع في لحظة واحدة ، مما تشير إليه الآية لأعجزهم تتبعه وإحصاؤه عن يقين ! فكم من شيء في هذه اللحظة الواحدة يلج في الأرض ؟ وكم من شيء في هذا اللحظة يخرج منها ؟ وكم من شيء في هذه اللحظة ينزل من السماء ؟ وكم من شيء في هذه اللحظة يعرج فيها ؟