« وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ »
. .
وإنزال الماء من السماء إحدى العجائب الكونية التي نمر عليها كذلك غافلين . هذا الماء الذي تفيض به مجاري الأنهار ، والذي تمتلئ به البحيرات ، والذي تتفجر به العيون . . هذا كله ينزل من السماء وفق نظام دقيق ، مرتبط بنظام السماوات والأرض ، وما بينهما من نسب وأبعاد ، ومن طبيعة وتكوين . . وإنبات النبات من الأرض بعد نزول الماء عجيبة أخرى لا ينقضي منها العجب . عجيبة الحياة ، وعجيبة التنوع ، وعجيبة الوراثة للخصائص الكامنة في البذرة الصغيرة ، لتعيد نفسها في النبتة وفي الشجرة الكبيرة . وإن دراسة توزيع الألوان في زهرة واحدة من نبتة واحدة لتقود القلب المفتوح إلى أعماق الحياة وأعماق الإيمان باللّه مبدع هذه الحياة . .
والنص القرآني يقرر أن اللّه أنبت النبات أزواجا :
« مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ »
وهي حقيقة ضخمة اهتدى إليها العلم بالاستقراء قريبا جدا . فكل نبات له خلايا تذكير وخلايا تأنيث ، إما مجتمعة في زهرة واحدة ، أو في زهرتين في العود الواحد ، وإما منفصلة في عودين أو شجرتين ، ولا توجد الثمرة إلا بعد عملية التقاء وتلقيح بين زوج النبات ، كما هو الشأن في الحيوان والإنسان سواء .
ووصف الزوج بأنه « كريم » يلقي ظلا خاصا مقصودا في هذا الموضع ليصبح لائقا بأن يكون
« خَلْقُ اللَّهِ »
وليرفعه أمام الأنظار مشيرا إليه . .
« هذا خَلْقُ اللَّهِ »
وليتحداهم به ويتحدى دعواهم المتهافتة . .
« فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ؟ »
. . وليعقب على هذا التحدي في أنسب وقت :
« بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ »
. .
وأي ضلال وأي ظلم بعد هذا الشرك ، في هذا المعرض الكوني الباهر الجليل ؟
وعند هذا الإيقاع القوي يختم الجولة الأولى في السورة ذلك الختام المؤثر العميق .
بعد ذلك يبدأ الجولة الثانية . يبدؤها في نسق جديد . نسق الحكاية والتوجيه غير المباشر . ويعالج قضية الشكر للّه وحده ، وتنزيهه عن الشرك كله ، وقضية الآخرة والعمل والجزاء في خلال الحكاية .
« وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ؛ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ »
.
ولقمان الذي اختاره القرآن ليعرض بلسانه قضية التوحيد وقضية الآخرة تختلف في حقيقته الروايات :
فمن قائل : إنه كان نبيا ، ومن قائل : إنه كان عبدا صالحا من غير نبوة - والأكثرون على هذا القول الثاني - ثم يقال : إنه كان عبدا حبشيا ، ويقال : إنه كان نوبيا . كما قيل : إنه كان في بني إسرائيل قاضيا من قضاتهم . .
وأيا من كان لقمان فقد قرر القرآن أنه رجل آتاه اللّه الحكمة . الحكمة التي مضمونها ومقتضاها الشكر للّه :
« وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ »
. . وهذا توجيه قرآني ضمني إلى شكر اللّه اقتداء بذلك الرجل الحكيم المختار الذي يعرض قصته وقوله . وإلى جوار هذا التوجيه الضمني توجيه آخر ، فشكر اللّه إنما هو رصيد مذخور للشاكر ينفعه هو ، واللّه غني عنه . فاللّه محمود بذاته ولو لم يحمده أحد من خلقه :
« وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ . وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ »
. . وإذن فأحمق الحمقى هو من يخالف عن الحكمة ؛ ولا يدخر لنفسه مثل ذلك الرصيد .
ثم تجيء قضية التوحيد في صورة موعظة من لقمان الحكيم لابنه :