سيّئ النية والغاية ، يريد ليضل عن سبيل اللّه . يضل نفسه ويضل غيره بهذا اللهو الذي ينفق فيه الحياة .
وهو سيّئ الأدب يتخذ سبيل اللّه هزوا ، ويسخر من المنهج الذي رسمه اللّه للحياة وللناس . ومن ثم يعالج القرآن هذا الفريق بالمهانة والتهديد قبل أن يكمل رسم الصورة :
« أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ »
. . ووصف العذاب بأنه مهين مقصود هنا للرد على سوء الأدب والاستهزاء بمنهج اللّه وسبيله القويم .
ثم يمضي في استكمال صورة ذلك الفريق :
« وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها »
وهو مشهد فيه حركة ترسم هيئة المستكبر المعرض المستهين . ومن ثم يعالجه بوخزة مهينة تدعو إلى تحقير هذه الهيئة :
« كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً »
وكأن هذا الثقل في أذنيه يحجبه عن سماع آيات اللّه الكريمة ، وإلا فما يسمعها إنسان له سمع ثم يعرض عنها هذا الإعراض الذميم . ويتمم هذه الإشارة المحقرة بتهكم ملحوظ :
« فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ »
فما البشارة في هذا الموضوع إلا نوع من التهكم المهين ؛ يليق بالمتكبرين المستهزئين ! وبمناسبة الحديث عن جزاء الكافرين المستكبرين المعرضين يتحدث عن جزاء المؤمنين العاملين ، الذين تحدث عنهم في صدر السورة ؛ ويفصل شيئا من أمر فلاحهم الذي أجمله هناك :
« إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ، خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
. .
وحيثما ذكر الجزاء في القرآن الكريم ذكر قبله العمل الصالح مع الإيمان . فطبيعة هذه العقيدة تقتضي ألا يظل الإيمان في القلب حقيقة مجردة راكدة معطلة مكنونة ؛ إنما هو حقيقة حية فاعلة متحركة ، ما تكاد تستقر في القلب ويتم تمامها حتى تتحرك لتحقق ذاتها في العمل والحركة والسلوك ؛ ولتترجم عن طبيعتها بالآثار البارزة في عالم الواقع ، المنبئة عما هو كائن منها في عالم الضمير .
وهؤلاء الذين آمنوا وحققوا إيمانهم بالعمل الصالح
« لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ خالِدِينَ فِيها »
. . لهم هذه الجنات وهذا الخلود تحقيقا لوعد اللّه الحق .
« وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا »
فقد بلغ من فضل الخالق على العباد أن يوجب على نفسه الإحسان إليهم جزاء إحسانهم لأنفسهم لا له سبحانه ! وهو الغني عن الجميع !
« وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
. . القادر على تحقيق وعده ، الحكيم في الخلق والوعد والتحقيق .
وآية القدرة ، وآية الحكمة ، وبرهان تلك القضايا السابقة في سياق السورة . . آية ذلك كله وبرهانه هو هذا الكون الكبير الهائل ، الذي لا يدعي أحد من البشر أنه خلقه ، ولا أن أحدا آخر خلقه من دون اللّه ؛ وهو ضخم هائل دقيق النظام ، متناسق التكوين ، يأخذ بالقلب ، ويبهر اللب ، ويواجه الفطرة مواجهة جاهرة لا تملك الإفلات منها أو الإعراض عنها ؛ ولا تملك إلا التسليم بوحدانية الخالق العظيم ، وضلال من يشرك به آلهة أخرى ظلما للحق الواضح المبين :
« خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ، وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ، وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ ، وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ . هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ؟ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ »
. .
وهذه السماوات - بظاهر مدلولها ودون تعمق في أية بحوث علمية معقدة - تواجه النظر والحس ، هائلة فسيحة سامقة . وسواء أكانت السماوات هي هذه الكواكب والنجوم والمجرات والسدم السابحة في الفضاء