تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2789

مساهمون:

ص٢٧٨٩
من جهد ومن جهاد ومن مغالبة ومن اقناع ليغرياه بأن يشرك باللّه ما يجهل ألوهيته - وكل ما عدا اللّه لا ألوهية له فتعلم ! - فهو مأمور بعدم الطاعة من اللّه صاحب الحق الأول في الطاعة . ولكن الاختلاف في العقيدة ، والأمر بعدم الطاعة في خلافها ، لا يسقط حق الوالدين في المعاملة الطيبة والصحبة الكريمة :
« وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً »
فهي رحلة قصيرة على الأرض لا تؤثر في الحقيقة الأصيلة :
« وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ »
من المؤمنين
« ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ »
بعد رحلة الأرض المحدودة
« فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
ولكل جزاء ما عمل من كفران أو شكران ، ومن شرك أو توحيد . روي أن هذه الآية نزلت هي وآية العنكبوت المشابهة وآية الأحقاف كذلك في سعد بن أبي وقاص وأمه ( كما قلت في تفسيرها في الجزء العشرين في سورة العنكبوت ) . وروي أنها نزلت في سعد بن مالك . ورواه الطبراني في كتاب العشرة - بإسناده - عن داود بن أبي هند . والقصة في صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص . وهو الأرجح . أما مدلولها فهو عام في كل حال مماثلة ، وهو يرتب الوشائج والروابط كما يرتب الواجبات والتكاليف . فتجيء الرابطة في اللّه هي الوشيجة الأولى ، ويجيء التكليف بحق اللّه هو الواجب الأول . والقرآن الكريم يقرر هذه القاعدة ويؤكدها في كل مناسبة وفي صور شتى لتستقر في وجدان المؤمن واضحة حاسمة لا شبهة فيها ولا غموض . وبعد هذا الاستطراد المعترض في سياق وصية لقمان لابنه ، تجيء الفقرة التالية في الوصية ، لتقرر قضية الآخرة وما فيها من حساب دقيق وجزاء عادل . ولكن هذه الحقيقة لا تعرض هكذا مجردة ، إنما تعرض في المجال الكوني الفسيح ، وفي صورة مؤثرة يرتعش لها الوجدان ، وهو يطالع علم اللّه الشامل الهائل الدقيق اللطيف :
« يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ، فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ ، أَوْ فِي السَّماواتِ ، أَوْ فِي الْأَرْضِ ، يَأْتِ بِهَا اللَّهُ . إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ »
. . وما يبلغ تعبير مجرد عن دقة علم اللّه وشموله ، وعن قدرة اللّه سبحانه ، وعن دقة الحساب وعدالة الميزان ما يبلغه هذا التعبير المصور . وهذا فضل طريقة القرآن المعجزة الجميلة الأداء ، العميقة الإيقاع . . « 1 » حبة من خردل . صغيرة ضائعة لا وزن لها ولا قيمة .
« فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ »
. . صلبة محشورة فيها لا تظهر ولا يتوصل إليها .
« أَوْ فِي السَّماواتِ »
. . في ذلك الكيان الهائل الشاسع الذي يبدو فيه النجم الكبير ذو الجرم العظيم نقطة سابحة أو ذرة تائهة .
« أَوْ فِي الْأَرْضِ »
ضائعة في ثراها وحصاها لا تبين .
« يَأْتِ بِهَا اللَّهُ »
. . فعلمه يلاحقها ، وقدرته لا تفلتها .
« إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ »
. . تعقيب يناسب المشهد الخفي اللطيف . ويظل الخيال يلاحق تلك الحبة من الخردل في مكامنها تلك العميقة الوسيعة ؛ ويتملى علم اللّه الذي يتابعها . حتى يخشع القلب وينيب ، إلى اللطيف الخبير بخفايا الغيوب . وتستقر من وراء ذلك تلك الحقيقة التي يريد القرآن إقرارها في القلب . بهذا الأسلوب العجيب . ويمضي السياق في حكاية قول لقمان لابنه وهو يعظه . فإذا هو يتابع معه خطوات العقيدة بعد استقرارها
هامش
( 1 ) يراجع فصل : « طريقة القرآن » في كتاب : « التصوير الفني في القرآن » . « دار الشروق » .