ومن ثم يطول عمر الصقر . وتقل أعمار بغاث الطير . وللّه الحكمة البالغة . وكل شيء عنده بمقدار . ولم تثمر ألف سنة - إلا خمسين عاما - غير العدد القليل الذين آمنوا لنوح . وجرف الطوفان الكثرة العظمى وهم ظالمون بكفرهم وجحودهم وإعراضهم عن الدعوة المديدة ، ونجا العدد القليل من المؤمنين ، وهم أصحاب السفينة .
ومضت قصة الطوفان والسفينة
« آيَةً لِلْعالَمِينَ »
تحدثهم عن عاقبة الكفر والظلم على مدار القرون .
وبعد قصة نوح يطوي السياق القرون حتى يصل إلى الرسالة الكبرى . رسالة إبراهيم :
« وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ : اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ . ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً ، وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً . إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ ، وَاشْكُرُوا لَهُ ، إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ، وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ »
. .
لقد دعاهم دعوة بسيطة واضحة لا تعقيد فيها ولا غموض ؛ وهي مرتبة في عرضها ترتيبا دقيقا يحسن أن يتملاه أصحاب الدعوات . .
لقد بدأ ببيان حقيقة الدعوة التي يدعوهم إليها :
« اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ »
. .
ثم ثنى بتحبيب هذه الحقيقة إليهم ، وما تتضمنه من الخير لهم ، لو كانوا يعلمون أين يكون الخير :
« ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ »
. .
وفي هذا التعقيب ما يحفزهم إلى نفي الجهل عنهم ، واختيار الخير لأنفسهم . وهو في الوقت ذاته حقيقة عميقة لا مجرد تهييج خطابي ! وفي الخطوة الثالثة بين لهم فساد ما هم عليه من العقيدة من عدة وجوه : أولها أنهم يعبدون من دون اللّه أوثانا - والوثن : التمثال من الخشب - وهي عبادة سخيفة ، وبخاصة إذا كانوا يعدلون بها عن عبادة اللّه . . وثانيها :
أنهم بهذه العبادة لا يستندون إلى برهان أو دليل ، وإنما يخلقون إفكا وينشئون باطلا ، يخلقونه خلقا بلا سابقة أو مقدمة ، وينشئونه إنشاء من عند أنفسهم بلا أصل ولا قاعدة . . وثالثها : أن هذه الأوثان لا تقدم لهم نفعا ، ولا ترزقهم شيئا :
« إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً »
. .
وفي الخطوة الرابعة يوجههم إلى اللّه ليطلبوا منه الرزق . الأمر الذي يهمهم ويمس حاجتهم :
« فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ »
. .
والرزق مشغلة النفوس ، وبخاصة تلك التي لم يستغرقها الإيمان . ولكن ابتغاء الرزق من اللّه وحده حقيقة لا مجرد استثارة للميول الكامنة في النفوس .
وفي النهاية يهتف بهم إلى واهب الأرزاق المتفضل بالنعم ، ليعبدوه ويشكروه :
« وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ »
. .
وأخيرا يكشف لهم أنه لا مفر من اللّه ، فمن الخير أن يثوبوا إليه مؤمنين عابدين شاكرين :
« إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ »
. .
فإن كذبوا - بعد ذلك كله - فما أهون ذلك ! فلن يضر اللّه شيئا ، ولن يخسر رسوله شيئا . فقد كذب