والعذاب والرحمة يتبعان مشيئة اللّه ؛ من حيث أنه بين طريق الهدى وطريق الضلال ؛ وخلق للإنسان من الاستعداد ما يختار به هذا أو ذاك ، ويسر له الطريقين سواء ، وهو بعد ذلك ، وما يختار غير أن اتجاهه إلى اللّه ورغبته في هداه ، ينتهيان به إلى عون اللّه له - كما كتب على نفسه - وإعراضه عن دلائل الهدى وصده عنها يؤديان به إلى الانقطاع والضلال . ومن ثم تكون الرحمة ويكون العذاب .
« وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ »
.
تعبير عن المآب فيه عنف ، يناسب المعنى بعده :
« وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ »
. .
فليس لكم من قوة في هذا الوجود تمتنعون بها من الانقلاب إلى اللّه . لا من قوتكم في الأرض ، ولا من قوة ما تعبدونه أحيانا من الملائكة والجن وتحسبون له قوة في السماء .
« وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ »
. .
وأين من دون اللّه الولي والنصير ؟ أين الولي والنصير من الناس ؟ أو من الملائكة والجن ؟ وكلهم عباد من خلق اللّه لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فوق أن يملكوا لسواهم شيئا ؟
« وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ »
. .
ذلك أنه لا ييأس الإنسان من رحمة اللّه إلا حين يكفر قلبه ، وينقطع ما بينه وبين ربه . وكذلك هو لا يكفر إلا وقد يئس من اتصال قلبه باللّه ، وجفت نداوته ، ولم يعد له إلى رحمة اللّه سبيل . والعاقبة معروفة :
« وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ »
. .
وبعد هذا الخطاب المعترض في ثنايا القصة ، الذي جاء خطابا لكل منكر لدعوة الإيمان ولقوم إبراهيم ضمنا . .
بعد هذا الخطاب يعود لبيان جواب قوم إبراهيم ، فيبدو هذا الجواب غريبا عجيبا ، ويكشف عن تبجح الكفر والطغيان ، بما يملك من قوة ومن سلطان :
« فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا : اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ . فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ »
. .
اقتلوه أو حرقوه . . ردا على تلك الدعوة الواضحة البسيطة المرتبة التي خاطب بها قلوبهم وعقولهم على النحو الذي بينا قيمته في عرض الدعوات .
وإذ أن الطغيان أسفر عن وجهه الكالح ؛ ولم يكن إبراهيم - عليه السّلام - يملك له دفعا ، ولا يستطيع منه وقاية . وهو فرد أعزل لا حول ولا طول . فهنا تتدخل القدرة سافرة كذلك . تتدخل بالمعجزة الخارقة لمألوف البشر :
« فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ »
. .
وكان في نجاته من النار على النحو الخارق الذي تمت به آية لمن تهيأ قلبه للإيمان . ولكن القوم لم يؤمنوا على الرغم من هذه الآية الخارقة ، فدل هذا على أن الخوارق لا تهدي القلوب ، إنما هو الاستعداد للهدى والإيمان :
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ »
. .
الآية الأولى هي تلك النجاة من النار . والآية الثانية هي عجز الطغيان عن إيذاء رجل واحد يريد اللّه له النجاة .
والآية الثالثة هي أن الخارقة لا تهدي القلوب الجاحدة . ذلك لمن يريد أن يتدبر تاريخ الدعوات ، وتصريف القلوب ، وعوامل الهدى والضلال .