عليه السّلام . يعرضها ممثلة فيما لقيه الرسل حملة دعوة اللّه منذ فجر البشرية . مفصلا بعض الشيء في قصة إبراهيم ولوط ، مجملا فيما عداها .
وفي هذا القصص تتمثل ألوان من الفتن ، ومن الصعاب والعقبات في طريق الدعوة .
ففي قصة نوح - عليه السّلام - تتبدى ضخامة الجهد وضآلة الحصيلة ، فقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ، ثم لم يؤمن له إلا القليل
« فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ »
. .
وفي قصة إبراهيم مع قومه يتبدى سوء الجزاء وطغيان الضلال . فقد حاول هداهم ما استطاع ، وجادلهم بالحجة والمنطق :
« فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا : اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ »
.
وفي قصة لوط يتبدى تبجح الرذيلة واستعلانها ، وسفورها بلا حياء ولا تحرج ، وانحدار البشرية إلى الدرك الأسفل من الانحراف والشذوذ ؛ مع الاستهتار بالنذير :
« فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا : ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ »
. .
وفي قصة شعيب مع مدين يتبدى الفساد والتمرد على الحق والعدل ، والتكذيب :
« فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ »
.
وتذكر الإشارة إلى عاد وثمود بالاعتزاز بالقوة والبطر بالنعمة .
كما تذكر الإشارة إلى قارون وفرعون وهامان بطغيان المال ، واستبداد الحكم ، وتمرد النفاق .
ويعقب على هذا القصص بمثل يضربه لهوان القوى المرصودة في طريق دعوة اللّه ، وهي مهما علت واستطالت
« كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً . وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ »
.
وينتهي هذا الشوط بدعوة الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - أن يتلو الكتاب ، وأن يقيم الصلاة ، وأن يدع الأمر بعد ذلك للّه
« وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ »
. .
« وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً ، فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ . فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ »
. .
والراجح أن فترة رسالته التي دعا فيها قومه كانت ألف سنة إلا خمسين عاما . وقد سبقتها فترة قبل الرسالة غير محددة ، وأعقبتها فترة كذلك بعد النجاة من الطوفان غير محددة . وهو عمر طويل مديد ، يبدو لنا الآن غير طبيعي ولا مألوف في أعمار الأفراد . ولكننا نتلقاه من أصدق مصدر في هذا الوجود - وهذا وحده برهان صدقه - فإذا أردنا له تفسيرا فإننا نستطيع أن نقول : إن عدد البشرية يومذاك كان قليلا ومحدودا ، فليس ببعيد أن يعوض اللّه هذه الأجيال عن كثرة العدد طول العمر ، لعمارة الأرض وامتداد الحياة . حتى إذا تكاثر الناس وعمرت الأرض لم يعد هناك داع لطول الأعمار . وهذه الظاهرة ملحوظة في أعمار كثير من الأحياء . فكلما قل العدد وقل النسل طالت الأعمار ، كما في النسور وبعض الزواحف كالسلحفاة . حتى ليبلغ عمر بعضها مئات الأعوام . بينما الذباب الذي يتوالد بالملايين لا تعيش الواحدة منه أكثر من أسبوعين . والشاعر يعبر عن هذه الظاهرة بقوله :
بغاث الطير أكثرها فراخا * وأم الصقر مقلاة نزور « 1 »
هامش
( 1 ) بغاث الطير : ضعافه . ومقلاة نزور ، أي مقلة في الفراخ .