وورقها وثمرها . . ومرة أخرى يلتفت من النموذج الصغير ليذكر بالأصل الكبير . فهذه الشجرة ليست شجرة بعينها وليست متحيزة إلى مكان أو جهة . إنما هي مثل مجرد للتقريب :
« لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ »
. . وزيتها ليس زيتا من هذا المشهود المحدود ، إنما هو زيت آخر عجيب :
« يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ »
. . فهو من الشفافية بذاته ، ومن الإشراق بذاته ، حتى ليكاد يضيء بغير احتراق ؛
« وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ »
. .
« نُورٌ عَلى نُورٍ »
. . وبذلك نعود إلى النور العميق الطليق في نهاية المطاف ! إنه نور اللّه الذي أشرقت به الظلمات في السماوات والأرض . النور الذي لا ندرك كنهه ولا مداه . إنما هي محاولة لوصل القلوب به ، والتطلع إلى رؤياه :
« يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ »
. . ممن يفتحون قلوبهم للنور فتراه .
فهو شائع في السماوات والأرض ، فائض في السماوات والأرض . دائم في السماوات والأرض . لا ينقطع ، ولا يحتبس ، ولا يخبو . فحيثما توجه إليه القلب رآه . وحيثما تطلع إليه الحائر هداه . وحيثما اتصل به وجد اللّه .
إنما المثل الذي ضربه اللّه لنوره وسيلة لتقريبه إلى المدارك ، وهو العليم بطاقة البشر :
« وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ ، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ »
. .
ذلك النور الطليق ، الشائع في السماوات والأرض ، الفائض في السماوات والأرض ، يتجلى ويتبلور في بيوت اللّه التي تتصل فيها القلوب باللّه ، تتطلع إليه وتذكره وتخشاه ، وتتجرد له وتؤثره على كل مغريات الحياة :
« فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ، يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، وَإِقامِ الصَّلاةِ ، وَإِيتاءِ الزَّكاةِ . يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ . لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ، وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ »
. .
وهناك صلة تصويرية بين مشهد المشكاة هناك ومشهد البيوت هنا ، على طريقة التناسق القرآنية في عرض المشاهد ذات الشكل المتشابه أو المتقارب . وهناك صلة مثلها بين المصباح المشرق بالنور في المشكاة ، والقلوب المشرقة بالنور في بيوت اللّه .
تلك البيوت
« أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ »
- وإذن اللّه هو أمر للنفاذ - فهي مرفوعة قائمة ، وهي مطهرة رفيعة .
يتناسق مشهدها المرفوع مع النور المتألق في السماوات والأرض . وتتناسق طبيعتها الرفيعة مع طبيعة النور السني الوضيء . وتتهيأ بالرفعة والارتفاع لأن يذكر فيها اسم اللّه :
« وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ »
. وتتسق معها القلوب الوضيئة الطاهرة ، المسبحة الواجفة ، المصلية الواهبة . قلوب الرجال الذين
« لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ »
. . والتجارة والبيع لتحصيل الكسب والثراء . ولكنهم مع شغلهم بهما لا يغفلون عن أداء حق اللّه في الصلاة ، وأداء حق العباد في الزكاة :
« يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ »
. .
تتقلب فلا تثبت على شيء من الهول والكرب والاضطراب . وهم يخافون ذلك اليوم فلا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه .
وهم مع هذا الخوف يعلقون رجاءهم بثواب اللّه :
« لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا ، وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ »
. .
ورجاؤهم لن يخيب في فضل اللّه :
« وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ »
من فضله الذي لا حدود له ولا قيود .